أصدرت المحكمة الجنائية العليا الرابعة والعشرون في إسطنبول حكمًا مثيرًا للجدل فيما يعرف بـ”قضية الفتيات”، التي شملت تهمًا متصلة بالإرهاب ضد نساء وفتيات – بعضهن طالبات مدارس وجامعات – بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة (المعروفة باسم حركة كولن).
القضية استندت إلى لائحة اتهام من 529 صفحة، اعتبرت أن أنشطة عادية مثل دروس القرآن، والدروس الخصوصية، والمشاركة في تجمعات اجتماعية، والعيش في شقق طلابية مشتركة، تشكل أدلة على الانتماء إلى “منظمة إرهابية مسلحة“.
تفاصيل الأحكام
المحكمة، برئاسة القاضي شينول كارتال، أصدرت أحكامًا بالسجن على تسعة عشر متهمة، في حين برّأت تسعة عشر أخريات.
إحدى عشرة متهمة تعرضن لعقوبات بالسجن تراوحت بين ست سنوات وثلاثة أشهر وسبع سنوات وستة أشهر، بتهمة “الانتماء إلى منظمة إرهابية“، في حين حُكم على ثماني متهمات أخريات بالسجن ثلاث سنوات وشهر وخمسة عشر يومًا بتهمة “تقديم المساعدة لمنظمة إرهابية“.
وصدر أمر بالقبض على متهمتين كانتا فارّتين أثناء النطق بالحكم، كما قررت المحكمة عدم معاقبة متهمة تعاونت مع السلطات بصفة شاهدة.
من اللافت أن أمًّا أُدينت بعقوبة سجن ست سنوات وثلاثة أشهر، بينما تمت تبرئة ابنتها الطالبة في كلية الحقوق.
المرافعات والجدل القانوني
النيابة العامة كانت قد طالبت في مرافعتها النهائية يوم 27 يونيو بعقوبات لجميع المتهمات الإحدى والأربعين، وهو ما أثار اعتراضات محامي الدفاع الذين رأوا أن الرأي النهائي للنيابة لم يخرج عن إطار لائحة الاتهام الأصلية دون تقديم أدلة ملموسة.
فرق الدفاع شددت خلال الجلسات على غياب أي سلاح أو عنف أو تسلسل قيادي في الملف، مؤكدة أن الرسائل الإلكترونية التي أُدرجت كأدلة لا تتعلق سوى بمصاريف الإيجار والفواتير، وأن الشقق الطلابية كانت ممولة من ساكنيها أنفسهم.
انتقادات حقوقية ومراقبة دولية
القضية أثارت اهتمامًا دوليًا، إذ حضر مراقبون من منظمات أوروبية وأمريكية جلسات سابقة، وأعدوا تقارير حول إشكاليات في ضمانات المحاكمة العادلة. وقد وثّق هؤلاء غيابات مطولة لأحد القضاة في الهيئة، وحدّة المواجهات بين المحكمة وهيئات الدفاع، إضافة إلى مقاطعة المتهمات أثناء الإدلاء بأقوالهن.
منظمات حقوقية أكدت أن المادة 314 من قانون العقوبات التركي، التي تُستخدم كأساس قانوني لهذه المحاكمات، تُطبق بشكل تعسفي على أنشطة غير عنيفة، دينية أو اجتماعية.
السياق الأوسع: حملة مستمرة ضد حركة كولن
القضية تأتي في إطار حملة موسعة تستهدف أنصار حركة الخدمة منذ فضائح الفساد التي تفجّرت في ديسمبر 2013، والتي طالت الرئيس رجب طيب أردوغان وأفرادًا من دائرته المقربة. أردوغان اعتبر تلك التحقيقات “مؤامرة انقلابية” من جماعة كولن، وصنّف الحركة “منظمة إرهابية” في مايو 2016، ثم صعّد الحملة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام نفسه، متهمًا فتح الله كولن – الذي توفي في أكتوبر 2024 في منفاه بالولايات المتحدة – بتدبيرها، وهو ما نفته الحركة بشكل قاطع.
الأرقام الرسمية لحملة القمع
وفق بيانات وزارة العدل التركية، تجاوز عدد المحكوم عليهم بتهم مرتبطة بالحركة منذ 2016 نحو مئة وستة وعشرين ألف شخص، لا يزال أكثر من أحد عشر ألفًا منهم في السجون. كما تستمر المحاكمات بحق ما يزيد على أربعة وعشرين ألف فرد، فيما يخضع ثمانية وخمسون ألفًا آخرون لتحقيقات جارية حتى اليوم، بعد ما يقارب عقدًا من بدء الحملة. آلاف آخرون اضطروا لمغادرة البلاد هربًا من الاعتقالات.

