في خطوة أثارت غضب الأوساط الأرمنية الأمريكية، تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بيان صدر بمناسبة الذكرى السنوية للمأساة الأرمنية، استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية”، ليخالف بذلك موقف سلفه جو بايدن الذي كان أول رئيس أمريكي يصف بشكل رسمي ما جرى للأرمن في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى بـ”الإبادة”.
هذا الموقف يمثل تراجعاً في السياسة الأمريكية الرسمية، ويعكس تغيراً في أولويات الإدارة الجديدة التي تربطها علاقات وثيقة بتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان.
تبدل في الموقف الأمريكي: من الاعتراف إلى التجاهل
بينما وصف بايدن في عام 2021 عمليات القتل الجماعي المزعومة التي تعرض لها الأرمن بأنها “إبادة جماعية” وأكد التزامه بهذا التوصيف خلال لقاءاته مع أردوغان، اختار ترامب في بيانه الأخير عبارات فضفاضة مثل “إحدى أسوأ الكوارث في القرن العشرين”، متجنباً أي استخدام للمصطلح القانوني أو السياسي المعروف دولياً بـ”genocide”.
ويأتي هذا التحول في لهجة الخطاب رغم الإجماع شبه التام في الكونغرس الأمريكي عام 2019 على الاعتراف بالإبادة الأرمنية، وهو ما واجه آنذاك اعتراضاً من وزارة الخارجية في إدارة ترامب.
غضب أرمني أمريكي وانتقادات لاذعة
المنظمات الأرمنية في الولايات المتحدة لم تتأخر في التعبير عن خيبة أملها؛ فقد وصف أرام هامباريان، المدير التنفيذي للجنة الوطنية الأرمنية في أمريكا، موقف ترامب بأنه “انسحاب مشين من الحقيقة”، معتبراً أن هذا التجاهل ليس مجرد سهو دبلوماسي، بل “رسالة خطيرة بتساهل واشنطن مع استمرار العنف ضد الأرمن”، حسب تعبيره.
كما انتقد الناشطون الأرمن تصريحات ترامب السابقة التي وعد فيها بدعم الأرمن، خاصة بعد سيطرة أذربيجان المدعومة من تركيا على إقليم ناغورنو قره باغ في عام 2023، وما تبع ذلك من تهجير للأرمن المسيحيين من الإقليم المتنازع عليه.
موقف رسمي ملتبس من مجلس الأمن القومي
وفي محاولة لتفسير الموقف الرسمي، قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، جيمس هيويت، إن “هذه الأحداث الرهيبة تُعد من أسوأ الفظائع في القرن العشرين”، مؤكداً في الوقت نفسه أن الحكومة الأمريكية تعترف بأن 1.5 مليون أرمني تعرضوا للترحيل والقتل أو أجبروا على السير حتى الموت في أواخر عهد الدولة العثمانية. غير أن التصريح لم يشر صراحة إلى استخدام مصطلح “الإبادة”، ما عزز من حالة الغموض والتباين في السياسة الأمريكية.
الخلفية التاريخية: جدل مستمر على مدى قرن
تؤكد معظم المصادر التاريخية الغربية أن نحو 1.5 مليون أرمني لقوا حتفهم بين عامي 1915 و1916، عندما اتهمت السلطات العثمانية الأرمن بالتواطؤ مع روسيا القيصرية أثناء الحرب العالمية الأولى. وقد تم ترحيل مئات الآلاف إلى الصحراء السورية في مسيرات أودت بحياتهم جوعاً وعطشاً.
في المقابل، تنكر تركيا بشكل قاطع أن تكون تلك الأحداث ترقى إلى “إبادة جماعية”، وتقول إن عدد الضحايا يتراوح بين 300 و500 ألف، مشيرة إلى أن أعداداً مماثلة من الأتراك قضوا في اضطرابات داخلية خلال الفترة ذاتها.
دلالات جيوسياسية: العلاقات مع أنقرة تهيمن على الاعتبارات
يُنظر إلى إحجام ترامب عن استخدام مصطلح “الإبادة” كإشارة إلى رغبته في الحفاظ على علاقاته الوثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في وقت حساس تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية.
يُذكر أن إدارة ترامب كثيراً ما اتهمت بايدن بتركيز مفرط على قضايا حقوق الإنسان على حساب المصالح الاستراتيجية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدول حليفة مثل تركيا.
وفي نهاية ولايته، أعلنت إدارة ترامب أن الصين ترتكب “إبادة جماعية” بحق مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانغ، ما أثار انتقادات لتوظيف مفردة “الإبادة” بطريقة انتقائية تخدم الاعتبارات السياسية أكثر من المبادئ الحقوقية.
بينما تسعى العديد من الدول، من بينها فرنسا وروسيا وألمانيا، للاعتراف التاريخي والرمزي بالإبادة الأرمنية، لا تزال الولايات المتحدة تراوح مكانها بين الاعتراف والتراجع، في توازن دقيق بين المصالح الدبلوماسية والالتزامات الأخلاقية. وموقف ترامب الأخير يُظهر أن ملف الإبادة الأرمنية لا يزال ورقة تفاوضية تستخدمها الإدارات الأمريكية حسب مقتضيات المشهد الجيوسياسي.

