وصف الكاتب الصحفي التركي كمال أوغور ما يجري في تركيا بأنه استمرار ممنهج لسياسة “الاستيلاء المقنّع” على وسائل الإعلام المستقلة، حيث أضحت “الوصاية القضائية” أداة قانونية لتصفية المنابر المعارضة. فبعد أن أسكتت السلطة أصوات الصحف والقنوات التي رفضت الخضوع، جاء الدور اليوم على قناة TELE 1، التي تمثل بالنسبة لكثير من الأتراك آخر ما تبقى من المنابر الحرة.
أمام مبنى القناة في إسطنبول، علت هتافات العاملين والمتضامنين: الوصاة سيرحلون، ونحن باقون“. لكنها، كما يقول أوغور، لم تكن صيحة أمل بقدر ما كانت صرخة ألم في وجه سلسلة طويلة من الانتهاكات ضد حرية الصحافة. أما تصريحات نواب المعارضة – وعلى رأسهم علي ماهر باشارير، وأوزغور تشيليك، وغوكهان غونايدين – التي شددوا فيها على أنهم لن يسمحوا “بتعتيم مستقبل تركيا”، فقد بدت كضوء خافت في نفق يزداد ظلمة يوماً بعد يوم.
من «زمان» إلى «TELE 1» تكرار الوجع ذاته
يرى أوغور أن ما يحدث اليوم يذكّر بموجة الانهيارات السابقة التي طالت مؤسسات مثل زمان، وبوغون، وقنال تورك، وصحف ميدان، وملّت وİMC TV، حين تحوّلت مقارّها إلى ساحات اقتحام بوليسي، وصُبغت شاشاتها بلون الصمت. أما الآن، فإن TELE 1 تنضم إلى القائمة ذاتها التي شملت لاحقاً فلاش تي في، خبر تورك، شو تي في وبلومبرغ HT، في دورة جديدة من السيطرة المنهجية على المشهد الإعلامي.
ويرى الكاتب أن تعيين الوصي علىTELE 1 لا يستهدف مؤسسة إعلامية فحسب، بل محاولة لوضع “العقل الجمعي الحر” في قيود جديدة. فاتهامات “التجسس” التي وُجهت إلى الإعلامي مردان يانارداغ تعيد إلى الأذهان سيناريوهات قديمة استخدمت فيها تهم الإرهاب و”العمل ضد الدولة” لتكميم الأفواه.
ذاكرة الجرح المفتوح
في ذاكرة الأتراك، لم تُمحَ بعد مشاهد العامين 2015 و2016، حين داهمت الشرطة مقرات الصحف المعارضة، كُسرت الأبواب، واعتُقل الصحفيون أمام عدسات الكاميرات. آنذاك، مُنعت طبعة29 تشرين الأول/أكتوبر 2015 لصحيفة “بوغون”، فيما غُمر مبنى “زمان” بالغازات المسيلة للدموع في5 آذار/مارس 2016. كانت تلك اللحظة – كما يصفها أوغور – بداية مرحلة جديدة في إسكات الحقيقة.
اليوم، ينعكس ذلك الوجع في عيون موظفي TELE 1، الذين يشهدون على لحظة سقوط جديدة. كلمات المذيع موسى أوزوغورلو “هذه القناة قناة الشعب” تعبّر عن إدراك جمعي بأن المعركة لم تعد بين الحكومة والمعارضة، بل بين السلطة والحقيقة نفسها.
من إسكات الإعلام إلى إسكات المجتمع
يشير أوغور إلى أن النظام الحالي بدأ المعركة بإسكات الإعلام، لينتقل لاحقاً إلى تقييد كل صوت مخالف داخل المجتمع. فكما قاوم صحفيو “زمان” و”بوغون” في البرد والغاز المسيل للدموع، يقاوم اليوم صحفيو “TELE 1” بذات الإصرار رغم اختلاف الزمن.
الهجمات على الصحف والقنوات لم تكن مجرد صدامات ميدانية، بل رسائل رمزية مفادها أن “من يملك الكاميرا لا يملك الكلمة”. التعتيم الإعلامي، كما يقول الكاتب، صار جزءاً من بنية الحكم، والرقابة باتت السقف الوحيد المسموح به.
اللحظة الراهنة: كتم الصوت الوطني
في مشهد اليوم، تتحول “البثوث المؤجلة” و”الإيقافات الفنية” إلى غطاء ناعم لقمع واضح. فانتقالTELE 1 إلى البث المسجّل لم يكن إجراءً تقنياً بقدر ما كان إعلاناً عن موت صوت آخر في الفضاء التركي. أما مواقف نواب المعارضة، فتعكس إصراراً أخلاقياً على الدفاع عن الصحافة الحرة، لكنها – كما يلاحظ أوغور – تصطدم بجدار صلب من السلطة التي تملك أدوات القانون والإعلام والأمن في آن واحد.
إن صمت الشاشات، كما يقول الكاتب، لا يعني فقط توقف البرامج والنشرات، بل يعني اختناق المجال العام وفقدان المجتمع لقدرته على الحوار والمساءلة.

