أثارت تصريحات المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، حول ملف “إمِرالي” أو مفاوضات السلام الكردي جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية، حيث أكد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو من أطلق هذا المسار في سياق سعيه لتعزيز “الجبهة الداخلية”.
جاء ذلك ردًا على تصريحات زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزَل، الذي دعا الحكومة إلى تحمل مسؤولية إدارة المفاوضات الجارية منذ أكثر من عام، والتي لم تُكشَف تفاصيلها للرأي العام بشكل واضح.
إطلاق العملية: قرار سياسي لتعزيز الوحدة الداخلية
وفقًا لتشيليك، فإن انطلاق هذا المسار كان نتيجة مباشرة لخطاب أردوغان في البرلمان التركي، حيث شدد على أهمية “تعزيز الجبهة الداخلية”، مؤكدًا أن القضايا الوطنية يجب حلها من خلال المسار الديمقراطي وإرادة الشعب. وأضاف أن إعلان أردوغان لهذا التوجه، إلى جانب الموقف الداعم من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، جاء لمواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة، لا سيما في ظل ما وصفه بـ”المخططات المظلمة” التي تعصف بالمنطقة.
وأشار تشيليك إلى أن هذا النهج ليس مجرد استراتيجية قصيرة الأمد، بل هو جزء من رؤية أردوغان لـ”تركيا بلا إرهاب”، ولما أسماه بـ”قرن تركيا”، مؤكدًا أن الدولة تتابع بدقة تطورات هذا الملف عبر مؤسساتها، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات الوطنية والقوات المسلحة التركية.
السياق الإقليمي والدولي: هل تركيا بصدد ملء الفراغ؟
يرى مراقبون أن تصريحات تشيليك تأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية، مع تزايد الحديث عن انسحاب تدريجي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط. هذا الانسحاب المحتمل يفتح المجال أمام قوى إقليمية، وعلى رأسها تركيا، لملء الفراغ الناجم عن إعادة توزيع موازين القوى.
وفي هذا السياق، يُثار تساؤل حول ما إذا كانت تركيا ستُراجع نهجها الأيديولوجي والسياسي، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الأكراد، إذ قد تجد نفسها أمام ضرورة تجاوز الإطار القومي الكمالي الصارم والإسلاموية المتشددة، لصالح نموذج أكثر استيعابًا للقوميات المختلفة، بما في ذلك الأكراد، لضمان استقرار داخلي يُعزز نفوذها الإقليمي.
الانتقادات السياسية ودعوات الشفافية
من جانبه، انتقد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزَل، تعامل الحكومة مع هذا الملف، معتبرًا أنه لا يتم بشفافية كافية، حيث أشار إلى أن هناك “مفاوضات تُجرى منذ أكثر من عام دون الكشف عن تفاصيلها”، داعيًا الحكومة إلى “تحمل المسؤولية بشجاعة” والإعلان عن الخطوات التي تتخذها في هذا الصدد.
تأتي هذه التصريحات في وقت تستمر فيه ظاهرة فرض الوصاية القضائية على البلديات الكردية خصوصا، مما يطرح تساؤلات حول مدى جدية الحكومة في تحقيق مصالحة حقيقية مع الأكراد، أم أن الهدف من تصريحات الحزب الحاكم حول مفاوضات السلام الكردي التي أطلقها – على ما يبدو دولت بهجلي – هو محاولة اختلاس الدور منه لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وتحصين موقف حزب العدالة والتنمية في ظل الظروف الإقليمية المتغيرة.

