تناولت كبريات الصحف العالمية قضية اتهام رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بمئات التهم الجنائية، معتبرة أن الهدف الحقيقي منها هو إقصاء أقوى منافس سياسي للرئيس رجب طيب أردوغان، في خطوة وصفتها بأنها “اختبار خطير للديمقراطية التركية”.
ورأت وسائل الإعلام الدولية أن القضية تجاوزت بعدها القضائي لتتحول إلى امتحان شامل لسيادة القانون واستقلال القضاء ومستقبل التعددية السياسية في تركيا.
صدى عالمي واسع: إمام أوغلو بين القضاء والسياسة
أحدثت لائحة الاتهام التي تطالب بسجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو لما يقارب ألفين وثلاثمائة عام، ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام الدولية التي تناولتها باعتبارها محطة فاصلة في علاقة السلطة التركية بالقضاء والمعارضة.
الملف الذي يتألف من أكثر من ثلاثة آلاف صفحة ويتضمن مئة واثنتين وأربعين تهمة، تراوحت بين الفساد المالي وغسل الأموال واستغلال النفوذ، أثار تساؤلات عالمية حول طبيعة المحاكمة ودوافعها السياسية.
فايننشال تايمز: “عقوبة غير مسبوقة لإقصاء أقوى منافس سياسي”
صحيفة فايننشال تايمز البريطانية وصفت لائحة الاتهام بأنها عملية سياسية تهدف إلى عزل إمام أوغلو عن المشهد العام، مشيرة إلى أن المطالبة بعقوبة تصل إلى 2,352 عامًا تُعد “سابقة في التاريخ القضائي التركي”.
وأشارت الصحيفة إلى أن الادعاءات بوجود “ضرر عام قيمته 160 مليار ليرة تركية” تعكس مبالغة متعمدة تهدف إلى ترسيخ صورة الفساد، مؤكدة أن توقيف إمام أوغلو في مارس الماضي أشعل احتجاجات هي الأوسع منذ عقد، في وقت تدخل فيه البنك المركزي لدعم الليرة بعد اضطرابات مالية متزايدة.
وأضافت “فايننشال تايمز” أن القضية قد تؤثر بعمق على استقرار الأسواق التركية وثقة المستثمرين الدوليين، معتبرة أنها “تهديد طويل الأمد لسمعة تركيا كمركز استثماري”.
بلومبيرغ: “الأسواق تهتز والمخاطر السياسية تتصاعد”
من جهتها، تناولت وكالة بلومبيرغ القضية من زاوية اقتصادية، مؤكدة أن إعلان تفاصيل الاتهامات أدى إلى تراجع حاد في مؤشرات بورصة إسطنبول وارتفاع في عوائد السندات.
وأشارت الوكالة إلى أن المستثمرين الأجانب باتوا ينظرون إلى تركيا كبيئة عالية المخاطر بسبب “الضبابية القانونية وتسييس القضاء”، ما زاد من مخاوف تدهور الثقة بالاقتصاد التركي.
كما لفتت إلى أن القضية لا تهدد فقط المشهد الاقتصادي، بل قد تعيد رسم توازنات القيادة داخل حزب الشعب الجمهوري، وتؤثر على موقع إمام أوغلو كمرشح رئاسي محتمل في انتخابات 2028.
بي بي سي نيوز: “أوسع تحقيق سياسي في العقد الأخير”
قناة بي بي سي نيوز البريطانية وصفت القضية بأنها “واحدة من أوسع التحقيقات السياسية في تركيا منذ سنوات”، مؤكدة أن إمام أوغلو سيُحاكم على خلفية142 تهمة منفصلة تشمل “قيادة منظمة غير قانونية”.
وأشارت إلى أن توقيفه في مارس الماضي أشعل أكبر موجة احتجاجات منذ مظاهرات غيزي بارك عام 2013، فيما نقلت تصريحات من حزب الشعب الجمهوري تصف الملف بأنه “سياسي بحت يهدف إلى شطب المعارضين من الساحة الديمقراطية”.
نيويورك تايمز: “القضاء التركي يتحول إلى أداة سياسية”
صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية رأت في القضية “مثالًا جديدًا على توظيف القضاء لخدمة الأهداف السياسية”، مشيرة إلى أن النيابة استخدمت أوصافًا رمزية لإمام أوغلو باعتباره “زعيم شبكة تسيطر على المدينة مثل الأخطبوط”.
وأضافت أن إسطنبول تمثل قيمة استراتيجية ورمزية للرئيس أردوغان الذي يعتبرها “بوابة السلطة”، ولذلك فإن سيطرة المعارضة عليها مرتين متتاليتين شكلت تحديًا شخصيًا للقيادة الحاكمة.
دير شبيغل: “قضية مفبركة تُدار بالخوف السياسي”
مجلة دير شبيغل الألمانية استخدمت وصفًا لافتًا، إذ قالت إن القضية “مسرحية قضائية مُفبركة تُدار بالخوف من فوز إمام أوغلو”، مشيرة إلى أن الاتهامات مبعثرة وغير مترابطة وتفتقر إلى المنطق القانوني.
ونقلت المجلة عن محامي إمام أوغلو قوله إن “القضية تُدار بالخوف، والخوف الحقيقي هو من احتمال أن يهزم موكلي أردوغان في الانتخابات المقبلة”.
كما ذكّرت المجلة بتوسع المظاهرات الشعبية عقب توقيفه، معتبرة أن رد الفعل الشعبي يُظهر حجم التوتر السياسي والاجتماعي في البلاد.
التحليل الدولي العام: اختبار الدولة القانونية في تركيا
اتفقت التحليلات الدولية، من واشنطن إلى برلين ولندن، على أن القضية ليست مجرد ملف جنائي، بل امتحان للديمقراطية التركية ومعيار لاستقلال القضاء.
ورأت الصحف أن هذا المسار يعيد طرح تساؤلات حول اتجاه النظام السياسي التركي، في ظل انقسام داخلي حاد وتراجع الثقة الغربية في الشفافية المؤسساتية.
كما حذّرت تقارير عدة من أن مآلات القضية ستنعكس على خريطة التحالفات داخل المعارضة وعلى مسار انتخابات 2028، معتبرة أن “إسطنبول أصبحت ساحة المواجهة الحاسمة بين مشروعين سياسيين متناقضين”.
إمام أوغلو رمز المواجهة المقبلة
في قراءة موحّدة تقريبًا، ترى كبريات وسائل الإعلام العالمية أن قضية إمام أوغلو تمثل منعطفًا في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، حيث تتقاطع فيها السياسة والعدالة والاقتصاد في مشهد واحد.
القضية تجاوزت حدود المحكمة لتصبح رمزًا لصراع أوسع حول هوية الدولة وموقعها في العالم، فيما يبقى السؤال الأهم: هل ستكون محاكمة إمام أوغلو فصلًا جديدًا في التراجع الديمقراطي، أم لحظة يقظة تفرض على تركيا إعادة تعريف علاقتها بالقانون والسلطة؟

