بقلم: ياوز أجار
مدخل عام: ما بعد الشراكة العسكرية
تكشف التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، عن تحوّل بنيوي في المقاربة الأميركية تجاه شمال شرق سوريا، يتجاوز إعادة تعريف دور «قوات سوريا الديمقراطية» ليطال الفلسفة السياسية والأمنية التي حكمت تدخلات واشنطن في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. فالحديث لم يعد يدور حول فاعلية قوة محلية في مكافحة تنظيم داعش، بل حول الانتقال إلى نموذج الدولة المركزية باعتباره الخيار الأقل كلفة على المدى المتوسط، والأكثر قابلية للاستدامة في إدارة الاستقرار.
الدولة السورية بوصفها شريكًا أمنيًا
وفق الرؤية الأميركية الجديدة، لم تعد دمشق كيانًا غائبًا أو عاجزًا عن الاضطلاع بوظائف السيادة. توصيف الحكومة السورية الجديدة بأنها “عازمة ومهيّأة” لتولي الملف الأمني، بما يشمل مراكز احتجاز داعش ومعسكراته، يعني عمليًا نهاية مرحلة تفويض هذه المهمة لقوى غير دولية. هذا التحول يعكس قناعة بأن الفراغ السيادي الذي أعقب هزيمة «خلافة داعش» لم يعد قائمًا، وأن معيار الشراكة الدولية عاد ليقترن بالقدرة المؤسسية للدولة لا بالفاعلية الميدانية المؤقتة.
قسد بين وظيفة الأمس وحدود اليوم
تُقرّ واشنطن بالدور الحاسم الذي أدته «قسد» في دحر داعش حتى عام 2019، واحتجاز آلاف المقاتلين وعائلاتهم في مخيمات وسجون مثل الهول والشدادي. غير أن هذا الاعتراف لا يتجاوز الإطار الوظيفي التاريخي. فنجاح «قسد» ارتبط بمرحلة غياب الدولة المركزية وتفكك السلطة، لا باعتبارها بديلًا دائمًا عنها. ومع تغيّر المعادلة السياسية وظهور حكومة معترف بها ومنخرطة في التحالف الدولي، ترى الولايات المتحدة أن المبرّر الاستراتيجي للشراكة العسكرية مع «قسد» قد انتفى، وأن استمرارها بصيغتها السابقة بات عبئًا.
الأكراد والمرحلة الانتقالية: اندماج لا انفصال
تضع المقاربة الأميركية الجديدة الأكراد أمام خيار سياسي واضح: الاندماج الكامل في دولة سورية موحّدة مقابل ضمانات تتعلق بالمواطنة، والحقوق الثقافية، والمشاركة السياسية. هذا الطرح يعيد الاعتبار لمظلومية تاريخية عاشها الأكراد، تجسّدت في انعدام الجنسية، والقيود اللغوية، والتمييز المنهجي، لكنه في الوقت ذاته ينفي أي دعم لمشاريع الفيدرالية أو الانفصال. الرسالة هنا أن الحقوق تُصان داخل الدولة لا خارجها، وأن السلاح لم يعد أداة تفاوض مشروعة.
حدود الالتزام الأميركي وتحوّل الأولويات
تؤكد واشنطن أنها لا ترى مصلحة في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، وأن أولوياتها تنحصر في منع عودة داعش، ودعم المصالحة الوطنية، وتعزيز وحدة البلاد. التحذير من أن الوقائع الانفصالية قد تفتح الباب أمام عدم الاستقرار أو عودة التنظيمات المتطرفة يحمل في طياته ضغطًا سياسيًا مباشرًا لتسريع التسويات الداخلية. كما أن نقل ملف سجون داعش إلى دمشق يسحب من «قسد» إحدى أهم أوراقها التفاوضية.
السياق الأوسع: من الشرق الأوسط المتشظي إلى الدولة المركزية
لا يمكن فصل هذا التحول عن إعادة تقييم غربية أوسع لتكلفة الشرق الأوسط المتشظي. فقد بدأت واشنطن وبروكسل تدركان أن تفكيك الدول وإدارة الأزمات عبر كيانات ما دون الدولة يكلّفهما اقتصاديًا، وأمنيًا، وديمغرافيًا. هذا الإدراك يدفعهما إلى تفضيل نموذج الدولة المركزية القادرة على ترتيب بيتها الداخلي، بدل الاعتماد على تنظيمات انفصالية أو جماعات مسلحة.
بين المعسكرين الغربي والروسي: صراع النماذج
تاريخيًا، استخدم الاتحاد السوفيتي التنظيمات والكيانات الشيوعية والاشتراكية لتطويق المعسكر الغربي. في المقابل، طوّر الغرب مشروع “الحزام الأخضر” عبر توظيف تنظيمات إسلامية راديكالية لمواجهة التمدد السوفيتي، كما في أفغانستان وباكستان. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي وتحوّل روسيا إلى نموذج مختلف، تخلّى الغرب تدريجيًا عن تلك التنظيمات الراديكالية، واتجه إلى قوى توصف بـ“المعتدلة”. في هذه المرحلة، أصبحت التنظيمات المتروكة من قبل الغرب، والأقليات المهمّشة في المنطقة، مجالًا خصبًا لتوظيف روسي وصيني وإيراني في الضغط على الغرب.
الهزائم الإقليمية وإعادة التموضع
في هذا السياق، يمكن قراءة تراجع الرهان الأميركي على «قسد» بوصفه جزءًا من إعادة تموضع أوسع أعقبت تراجع النفوذ الروسي والإيراني في سوريا. فبينما يواصل المعسكر الروسي الاعتماد على الكيانات والأقليات الانفصالية للحفاظ على نفوذه، يتجه الغرب إلى تقوية الدول المركزية، مع السعي إلى إذابة التنظيمات الراديكالية، الإسلامية واليسارية، داخل أنظمة سياسية أكثر اعتدالًا، بما يقلّل من أدوات الضغط التي يمكن أن يوظفها خصومه.
آفاق جديدة للعلاقات مع المنطقة
ضمن هذا التصور، لا يبدو مستبعدًا أن تتجه واشنطن وبروكسل إلى مقاربة أكثر براغماتية مع دول الشرق الأوسط، تقوم على المصالح المشتركة لا على منطق “الدول الزبائنية”. وقد تفضي هذه البراغماتية إلى خطوات تُفسَّر إيجابيًا عربيًا وإسلاميًا، وربما حتى إلى سياسات أقل انحيازًا في ملفات شائكة، إذا ثبت أن ذلك أقل كلفة وأكثر استقرارًا على المدى المتوسط.
الانعكاس الكردي الإقليمي
هذه التحولات قد تدفع أكراد تركيا بدورهم إلى إعادة النظر في التصورات الانفصالية، والتوجّه نحو نماذج اندماجية ضمن دول تعترف بحقوقهم الأساسية. فالمناخ الدولي لم يعد مواتيًا لمشاريع الكيانات المستقلة، بقدر ما يشجّع على تسويات داخل الدولة الواحدة.
خلاصة
يمثّل التحول الأميركي في سوريا انتقالًا من إدارة الأزمات عبر الشركاء المسلحين إلى الاستثمار في الدولة المركزية. وبينما يُغلق هذا المسار صفحة الشراكات العسكرية المؤقتة، فإنه يفتح اختبارًا حقيقيًا لدمشق في استيعاب التنوع، وللقوى الكردية في الانتقال من منطق السلاح إلى السياسة.

