في خطوة تُعدّ من أكبر العمليات الأمنية المشتركة هذا العام، أعلنت السلطات التركية عن تسلّمها من دولة الإمارات العربية المتحدة زعيم أحد أخطر شبكات الجريمة المنظمة في المنطقة، المعروف بلقب “دون فيتو”، واسمه الحقيقي عبد الله ألب أوسطون، إلى جانب مساعده المالي حسن لالا.
العملية جاءت بعد تنسيق استخباراتي وأمني رفيع المستوى بين الأجهزة التركية والإماراتية، وأسفرت عن إنهاء رحلة فرار استمرت لسنوات، كان خلالها الرجلان موضوع ملاحقات دولية عبر نشر نشرات الإنتربول الحمراء ورسائل التعميم الفوري (الانتشار الأحمر السريع).
تفاصيل العملية: تعاون أمني واستخباراتي متعدد المستويات
وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا أعلن عبر حسابه الرسمي في منصة “إكس” عن تفاصيل العملية التي وصفها بأنها نموذج في التعاون الدولي ضد الجريمة المنظمة.
وأوضح أن العملية نُفذت بالتنسيق بين رئاسة الإنتربول – يوروبول في المديرية العامة للأمن التركي، ورئاستي مكافحة المخدرات والاستخبارات، إلى جانب قوات الأمن الإماراتية ومديرية أمن إسطنبول.
وبحسب البيان، تمّ القبض على المطلوبَين داخل الأراضي الإماراتية بعد مراقبة دقيقة لتحركاتهما، قبل أن يتم تسليمهما رسمياً إلى تركيا لاستكمال الإجراءات القضائية.
“دون فيتو” وشبكة “Chrooke”: إمبراطورية المال والمخدرات
السلطات التركية أوضحت أن “دون فيتو”، وهو الاسم الحركي لعبد الله ألب أوسطون، كان الزعيم الأعلى لتنظيم “Chrooke” الإجرامي، الذي تصنفه أنقرة ضمن أخطر الشبكات العابرة للحدود في مجال تجارة المخدرات وتبييض الأموال.
ووفقاً لبيان وزارة الداخلية، فإن أوسطون كان مطلوباً بنشرة حمراء دولية بتهم تتعلق بـ تأسيس منظمة إجرامية، والاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وتبييض الأموال المتأتية من الجريمة.
أما حسن لالا، الذراع المالي للتنظيم والمسؤول عن شبكاته المالية، فكان مطلوباً أيضاً على المستوى الدولي بموجب نشرة الانتشار الأحمر العاجلة، بتهم الانتماء إلى منظمة إجرامية، واستيراد مواد مخدرة، وتبييض عائدات الجريمة.
الإمارات وتركيا: شراكة أمنية تتعزز بعد التقارب السياسي
تأتي عملية التسليم في إطار تنامي التعاون الأمني بين أنقرة وأبو ظبي، بعد مرحلة من التوتر السياسي أعقبت أحداث عام 2016، أعقبها انفتاح متبادل منذ عام 2021 شمل ملفات الاقتصاد والاستثمار ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس تحوّلاً في مستوى الثقة الأمنية بين البلدين، خصوصاً بعد تكرار عمليات التسليم المشابهة لمطلوبين في قضايا مالية وإجرامية خلال العامين الأخيرين.
وتعتبر هذه العملية جزءاً من استراتيجية تركيا الجديدة في ملاحقة رؤوس الجريمة المنظمة خارج حدودها، في إطار ما يُعرف بعمليات “Kafes” الأمنية التي تستهدف الشبكات التركية الناشطة في أوروبا والشرق الأوسط.
رسائل داخلية وخارجية: الأمن أولاً
تزامن الإعلان عن تسليم “دون فيتو” مع حملة داخلية أوسع أطلقتها وزارة الداخلية التركية لمكافحة الجرائم المالية وشبكات تهريب المخدرات، حيث تحاول الحكومة تعزيز صورتها في الداخل قبل الانتخابات البلدية المقبلة، عبر إظهار قدرتها على فرض هيبة الدولة وتطهير الاقتصاد من شبكات النفوذ الإجرامي.
وفي الوقت ذاته، تُعدّ العملية رسالة موجهة إلى الخارج، خصوصاً إلى الشركاء الأوروبيين والإقليميين، بأن تركيا لا تزال شريكاً فاعلاً في منظومة الأمن الدولي في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود، من غسيل الأموال إلى تجارة المخدرات والأسلحة.
عملية تسليم “دون فيتو” من الإمارات إلى تركيا تمثل اختباراً ناجحاً لمرحلة جديدة من التعاون الأمني الإقليمي، وتؤشر إلى رغبة أنقرة في توظيف هذا النوع من العمليات لتعزيز موقعها الدبلوماسي والأمني في الشرق الأوسط.
وفي الداخل، تُظهر هذه العملية إصرار الحكومة على تفكيك شبكات النفوذ الإجرامي التي لطالما شكّلت تهديداً مزدوجاً للأمن والاقتصاد التركي.

