تسريبات تكشف المستور داخل الإعلام الموالي
في خطوة اعتبرها كثيرون وثيقة تاريخية تكشف آلية عمل الإعلام الموالي في تركيا، نشر الصحفي التركي متين جيهان تسريبات من مجموعات واتساب تعود لصحفيين عملوا في قناة TGRT التابعة لمجموعة “إخلاص” القابضة.
أظهرت هذه التسريبات بوضوح كيف يتحكم المال والسلطة في المحتوى الإعلامي، مما يفضح شبكة معقدة من الولاءات السياسية والمصالح الاقتصادية، بعيداً عن أي التزام بأخلاقيات المهنة.
من التدخل في الأخبار إلى التهديدات المباشرة
كشفت الرسائل المتبادلة أن إدارات القناة تمنع بث الأخبار التي تسلط الضوء على الأزمات الاجتماعية مثل تفشي ظاهرة عمالة الأطفال، بحجة حماية صورة الحكومة.
وجاء في إحدى المراسلات أن أصلان أورن، زوجة مالك مجموعة إخلاص، تدخلت مباشرة لمنع استخدام عناوين إخبارية سلبية، مطالبة بفصل الصحفيين المتورطين دون تعويض. وعبر أوامر صارمة مثل “لا تكتبوا عناوين سلبية”، و”اطردوهم بلا تعويض”، تجسدت مظاهر القمع والرقابة الداخلية بشكل فج.
علاقة المال بالولاء السياسي
أوضح المحلل السياسي التركي أرقم طوفان أن ما جرى لا يعكس سلوك أفراد معزولين، بل يكشف عن بنية فاسدة تكرس الإعلام كسلاح بيد السلطة السياسية. وأضاف طوفان أن القائمين على هذه المؤسسات يعيشون في حالة خوف دائم من خسارة الامتيازات الحكومية، مما يدفعهم إلى فرض رقابة ذاتية خانقة حتى على الأخبار ذات الطابع الاجتماعي.
هيكلية الفساد: من شركة إخلاص إلى النظام العام
تعود ملكية قناة TGRT إلى مجموعات شركة إخلاص القابضة، التي لعبت دوراً محورياً في التغلغل الاقتصادي عبر مشاريع الإسكان الكبرى بالشراكة مع مؤسسة TOKİ، (وكالة الإسكان المدعومة من الحكومة التركية)، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة في آسيا الوسطى، خصوصاً في قرغيزستان بقيمة تجاوزت 7 مليارات دولار. وقد تورطت مجموعة إخلاص أيضاً في فضيحة إفلاس بنك إخلاص سنة 2001، التي أضرت بمدخرات أكثر من 200 ألف مودع دون أن تتم محاسبة فعلية لقياداتها.
الارتباط مع النظام: نماذج أخرى من الإعلام الموالي
يرى طوفان أن فساد مجموعة إخلاص لا يشكل استثناءً، بل هو نموذج متكرر لما يسمى بـ”قطاع الولاء السياسي” في تركيا.
فقد استُخدم الإعلام كأداة للتضليل عبر مؤسسات أخرى مثل مجموعة دمير أورين التي استحوذت على “دوغان ميديا” بتمويل من بنك “زراعات” الحكومي، ومجموعة كاليون التي حصلت على مئات المشاريع الحكومية الكبرى، ومجموعة ألبيراق التي تمتعت بمئات العقود الحكومية دون منافسة حقيقية.
دور الإعلام الموالي في تضليل الرأي العام
يوضح طوفان أن هذه المنظومة لا تقوم فقط بإنتاج خطاب ترويجي للسلطة، بل تشارك أيضاً بفعالية في تزييف الوعي الجمعي، عبر إخفاء مظاهر الفقر، والبطالة، وغياب العدالة الاجتماعية، معتمدة على صناعة واقع زائف يعزل المواطن عن معاناته الحقيقية.
الإعلام كأداة لقمع الديمقراطية
يشير طوفان إلى أن النتيجة الطبيعية لهذا التلاعب الإعلامي كانت تآكل الثقافة الديمقراطية في البلاد، حيث أصبح الوصول إلى المعلومات الصحيحة مسألة بالغة الصعوبة.
في ظل هذه الأوضاع، أضحى دور الصحافة المستقلة أكثر أهمية من أي وقت مضى لمواجهة التعتيم والتضليل المنهجي.
مأساة مجموعة إخلاص: جرح لم يندمل
لا تكتمل صورة الفساد دون التوقف عند مأساة مودعي بنك إخلاص الذين فقدوا أموالهم، بينما استمرت المجموعة في تعزيز ثرواتها ونفوذها السياسي عبر شبكة من العلاقات مع النظام الحاكم.
وبرغم محاولات التنصل بإلقاء اللوم لاحقاً على جماعة فتح الله كولن، فإن طوفان يرى أن السبب الجوهري هو نظام سياسي-اقتصادي يكرس الإفلات من العقاب.
النهاية الحتمية لمنظومة الفساد
يختم المحلل السياسي أرقم طوفان بالتأكيد أن منظومة الفساد الإعلامي والاقتصادي في تركيا قد بلغت مرحلة من التآكل الداخلي تجعل من استمرارها مسألة وقت فقط، مشدداً على أن التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تستند إلى الكذب والتضليل لقمع شعوبها.

