تشهد تركيا منذ أسابيع أزمة سياسية واجتماعية متصاعدة، أثارت اهتمام الإعلام الروسي الذي تابع مجريات الأحداث عن كثب، متسائلاً عما إذا كانت البلاد قد دخلت فعلاً مرحلة أفول حكم الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يسيطر على السلطة منذ أكثر من عقدين.
وقد رصدت تحليلات نُشرت في كبريات الصحف الروسية، من بينها برافدا ووكالات رسمية أخرى، الأسباب العميقة لهذه الأزمة، متطرقة إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، وواقع المعارضة، وكذلك محاولات أردوغان البحث عن مخرج داخلي وخارجي للبقاء في السلطة، وفقا لتقرير أعده الكاتب الصحفي التركي المقيم في روسيا عارف آصالي أوغلو.
الأسباب الهيكلية للأزمة: التفاوت الاجتماعي والاحتقان الشعبي
تحت عنوان “الشارع التركي يغلي”، نشرت صحيفة “برافدا” الروسية تحليلاً حرر نصوصه الصحافي سيرغي كوجيمياكين، أشار فيه إلى أن السبب الجوهري وراء الأزمة الحالية لا يعود إلى ما يسميه البعض “المؤامرات الخارجية”، كما تحاول الحكومة الترويج له، بل إلى تراكمات طويلة من الظلم الاجتماعي والتفاوت الاقتصادي. فرغم تحقيق الاقتصاد التركي معدلات نمو مرتفعة خلال حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية، إلا أن الاستفادة من هذا النمو بقيت محصورة في أوساط النخبة المقرّبة من السلطة، بينما غرقت الطبقات الوسطى والفقيرة في دوامة الفقر والبطالة.
واستناداً إلى بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، يُظهر التقرير أن تركيا تحتل المرتبة الأولى في منطقة أوراسيا من حيث التفاوت في توزيع الثروات؛ إذ يسيطر أغنى 10٪ من السكان على نحو 75٪ من الثروة الوطنية، فيما يستحوذ الـ1٪ الأكثر ثراء على 40٪ من تلك الثروة. كما أشار كوجيمياكين إلى أن التضخم تجاوز 80٪ في عام 2022، ورغم تراجعه رسميًا إلى 39٪، فإن مؤسسات مستقلة تقدّر المعدلات الحقيقية بأرقام مضاعفة. وفي ظل هذه المعطيات، ارتفع خط الفقر بنسبة 58٪ ليصل إلى 23.3 ألف ليرة تركية، فيما بقي الحد الأدنى للأجور تحت هذا الخط عند 22 ألف ليرة.
الاحتجاجات العمالية وتضييق الحريات النقابية
منذ محاولة الانقلاب في يوليو 2016، فرضت الحكومة التركية قيوداً صارمة على الإضرابات العمالية، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً في التحركات النقابية، خاصة في قطاعات التعدين والطاقة والنسيج. فعلى سبيل المثال، رفض عمال المناجم في أنقرة مغادرة باطن الأرض احتجاجاً على خصخصة مناجمهم ومحطات الطاقة الحرارية. وعلى الرغم من أن بعض العمال حققوا مكاسب جزئية، إلا أن السلطات ردّت في كثير من الحالات بالاعتقالات، كما حدث مع زعيم نقابي في غازي عنتاب خلال فبراير الماضي.
المعارضة تقود المشهد… واعتقال إمام أوغلو يشعل الساحة
تزامناً مع ازدياد الضغط الاجتماعي، برزت المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري (CHP) كلاعب سياسي محوري، لاسيما بعد فوزه في الانتخابات المحلية لعام 2024 وتفوقه على حزب العدالة والتنمية في كبريات المدن، وعلى رأسها إسطنبول. وقد شكّل رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أبرز مرشحي المعارضة للرئاسة، قبل أن يتم اعتقاله في 19 مارس بتهم تتعلق بالفساد وتمويل الإرهاب، وسُحبت منه صلاحياته ونُقل إلى السجن، ما أثار موجة غضب شعبية.
واعتبر حزب الشعب الجمهوري هذا الإجراء “انقلابًا مدنيًا”، بينما شهدت عشرات المدن التركية تظاهرات ضخمة دعماً لإمام أوغلو، شارك فيها ملايين المواطنين، بحسب المعارضة. كما تخللت تلك الاحتجاجات مواجهات عنيفة مع الشرطة، أدت إلى اعتقال قرابة ألفي شخص، بينهم صحفيون أتراك وأجانب، وفق ما ذكرته الصحفية تاتيانا ستويانوفيتش من وكالة روسيا سيغودنيا.
وقد أشارت ستويانوفيتش إلى أن ثلاثة عوامل تُضعف قدرة أردوغان على احتواء الأزمة: أولها تدهور المزاج الشعبي العام، ثانيها الانهيار الاقتصادي المتواصل، وثالثها تصاعد الضغوط السياسية الداخلية. وأوضحت أن عدد من تمّت محاكمتهم بسبب أنشطة معارضة خلال العقد الأخير تجاوز 511 ألف شخص، ما يعني تأثر أكثر من مليونَي تركي، بمن فيهم أسر المعتقلين، بسياسات القمع.
التكتيكات الجديدة: مغازلة الخارج وتنازلات سياسية
في مواجهة التحديات الداخلية المتزايدة، سعى أردوغان إلى تحسين علاقاته مع العواصم الغربية، خاصة واشنطن. فقد أجرى الرئيس التركي اتصالاً هاتفياً “ودياً” مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 مارس، ناقشا خلاله ملفات التعاون العسكري، من بينها عودة تركيا إلى برنامج طائرات F-35 مقابل حلول تتعلق بمنظومة S-400 الروسية، بالإضافة إلى شراء طائرات Eurofighter Typhoon. كما أبدى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال زيارته لواشنطن، رغبة بلاده في الانخراط مجددًا في المنظومة الأمنية الأوروبية، مؤكداً أن تركيا لا تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
على صعيد آخر، خفضت أنقرة وارداتها النفطية من روسيا وبدأت استيراد الغاز الصخري من الولايات المتحدة والبرازيل، ما يدل على بداية إعادة تموضع اقتصادي وسياسي.
ازدواجية الخطاب تجاه إسرائيل
رغم التصريحات النارية التي يطلقها أردوغان ضد إسرائيل، إلا أن التقارير الروسية أظهرت استمرار العلاقات التجارية بين البلدين، بل وتوسعها في بعض المجالات. فوثائق حديثة كشفت عن صادرات تركية لإسرائيل تشمل الأسمنت ومشتقات النفط وأسلاكاً صناعية، فضلاً عن مرور النفط الأذري إلى إسرائيل عبر الأراضي التركية. وأفادت صحيفة برافدا أن شركة SOCAR الأذرية – والتي تعد ذراعاً اقتصادية مقربة من أنقرة – حصلت على تراخيص للتنقيب عن الطاقة في إسرائيل.
نحو استحقاق دستوري مفصلي: ورقة الانتخابات المبكرة
تناولت تحليلات نُشرت في موقع PostNews الروسي، بقلم إيفان كونوفالوف، محاولة أردوغان التحايل على الدستور الذي يمنعه من الترشح لولاية ثالثة. وبحسب كونوفالوف، فإن الرئيس التركي يسعى إلى فرض انتخابات مبكرة تتيح له إعادة الترشح، وهو السيناريو الذي يتيح تجاوز المادة الدستورية الخاصة بحد الولايتين. كما يسعى أردوغان، بحسب التحليل، إلى استمالة نواب حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” الكردي (DEM)، لضمان الأغلبية اللازمة لتعديل الدستور أو التوجه إلى استفتاء شعبي.
هل اقتربت النهاية؟ قراءة روسية للمشهد التركي
تجمع التحليلات الروسية على أن تركيا تمر بلحظة مفصلية قد تحدد مستقبل النظام السياسي في البلاد. وبينما لا يزال أردوغان يتمتع بدعم شعبي مهم، فإن الأرقام تشير إلى تراجع في شعبيته، لا سيما في مواجهة صعود أكرم إمام أوغلو الذي تفوق عليه في آخر استطلاعات الرأي بنسبة 53٪ مقابل 47٪.
وترى الصحفية تاتيانا ستويانوفيتش أن تركيا مقبلة على سنوات من الاضطراب السياسي، مشيرة إلى أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين تعميق النظام السلطوي الحالي، أو فتح صفحة جديدة بقيادة معارضة موحدة تستند إلى قاعدة شعبية متنامية.
وفي الختام، يمكن القول إن المشهد التركي اليوم يشبه رقعة شطرنج معقدة: لاعبون متعددون، وتحالفات متبدلة، وقواعد مرنة، وخيارات مفتوحة. بيد أن الثابت الوحيد فيها هو أن الشارع التركي لم يعد كما كان، وأن مرحلة ما بعد أردوغان – أياً كان توقيتها – لم تعد من المحظورات.

