كشف استطلاع رأي جديد أجراه مركز “أسال” التركي للأبحاث، أن الغالبية العظمى من المواطنين في تركيا يعتبرون المشاكل الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد، في حين أعرب أكثر من ثلث المستجوبين عن عدم ثقتهم بأي حزب سياسي في قدرتهم على إيجاد حلول للأزمات المتفاقمة، مما يعكس مستوى غير مسبوق من خيبة الأمل الشعبية تجاه الطبقة السياسية.
الأزمة الاقتصادية في الصدارة: أولوية بلا منافس
بحسب نتائج الاستطلاع الذي أُجري بين 10 و14 مايو 2025، وشمل 2000 مشاركًا في 26 ولاية تركية، صرّح 65.6% من المشاركين بأن التضخم والضائقة الاقتصادية يمثلان أولوية قصوى بالنسبة لهم.
ورغم التراجع النسبي في معدل التضخم السنوي من ذروته البالغة 85.5% في أكتوبر 2022 إلى نحو 38% حاليًا – بحسب الأرقام الرسمية – فإن الأسعار المرتفعة ما تزال تثقل كاهل المستهلكين، خصوصًا في القطاعات الأساسية مثل التعليم، والسكن، والرعاية الصحية، والمواد الغذائية، والمواصلات. وقد دفع ذلك بالكثير من الأسر إلى تقليص استهلاكها وتغيير نمط حياتها لتلبية الاحتياجات الأساسية فقط.
العدالة والبطالة والإرهاب: قضايا ثانوية رغم أهميتها
بجانب الهم الاقتصادي الطاغي، أظهرت نتائج الاستطلاع قضايا أخرى تشغل بال المواطنين، لكن بنسبة أقل بكثير، وهي:
- النظام القضائي: 7.3%
- البطالة: 4%
- الإرهاب: 3.1%
- التعليم: 2.4%
- التحول العمراني والاستعداد للزلازل: 2.1%
وتعكس هذه النسب هشاشة الثقة في القطاعات الحيوية الأخرى، إلا أنها تبقى في الظل أمام العبء المعيشي الذي يخنق الغالبية.
البطالة المقنّعة: فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع
رغم إعلان الحكومة أن معدل البطالة الرسمي بلغ 7.9% في مارس الماضي، تشير بيانات أوسع إلى أن الصورة أكثر قتامة. فقد سجل معدل “نقص الاستخدام في سوق العمل” – والذي يشمل العاملين بدوام جزئي الراغبين في دوام كامل والعاملين في وظائف أدنى من مؤهلاتهم – نسبة مرتفعة بلغت 28.4% في فبراير.
هذا التباين بين البطالة الرسمية والبطالة المقنعة يسلط الضوء على خلل هيكلي في سوق العمل التركي، حيث يجد كثير من الناس أنفسهم يعملون ولكن دون تحقيق أمان مالي حقيقي.
تباطؤ في النمو: الأرقام لا تُترجم إلى رفاه
وفق بيانات البنك الدولي، سجّل الاقتصاد التركي نموًا بنسبة 3.2% خلال عام 2024، انخفاضًا من 5.1% في العام الذي سبقه. ورغم أن مشاركة القوى العاملة لا تزال مرتفعة، فإن هذا النمو لم ينعكس بشكل إيجابي على مستويات المعيشة، ما يُعمق شعور الشارع بأن المكاسب الاقتصادية لا تصل إلى الناس فعليًا.
ثقة متآكلة: لا أحد يملك الحل
عند طرح السؤال التالي على المشاركين: “أي حزب سياسي قادر على حل مشاكل تركيا اليوم؟“، أجاب 34.7% بـ”لا أحد”، في إشارة إلى تراجع الثقة العامة في كل الأطر السياسية، سواء في الحكومة أو المعارضة.
أما الذين أبدوا ثقةً بأحزاب معينة، فقد توزعت آراؤهم كالتالي:
- حزب العدالة والتنمية (AKP) الحاكم: 26%
- حزب الشعب الجمهوري (CHP) المعارض الرئيسي: 17.5%
- حزب الديمقراطية والمساواة (DEM): 4.6%
- حزب الحركة القومية (MHP): 4.3%
- حزب الخير (İYİ): 1.4%
وتتطابق هذه النتائج تقريبًا مع استطلاع مماثل أجراه نفس المركز في أبريل، حيث قال 63.4% إن الصعوبات الاقتصادية هي أكبر همومهم، وأفاد نحو 40% حينها بعدم ثقتهم بأي حزب.
خاتمة: شرخ في العلاقة بين الشعب والنظام السياسي
تعكس نتائج الاستطلاع شرخًا عميقًا بين المواطن التركي ومؤسسات الحكم والمعارضة على حد سواء. فالهم الاقتصادي يطغى على كل القضايا، والثقة في قدرة النخبة السياسية – مهما كانت خلفيتها – على تقديم حلول حقيقية تتآكل يومًا بعد يوم، ما قد يؤدي إلى تغيّرات كبرى في المزاج الانتخابي والسياسي إذا استمر هذا المسار دون استجابة فعلية.

