في الذكرى التاسعة لمحاولة الانقلاب المثيرة للجدل في تركيا يوم 15 تموز 2016، فجّر السياسي التركي البارز والنائب السابق عن حزب العدالة والتنمية، شَامل طيار، جدلاً واسعاً بتصريح لافت طالب فيه بالكشف عن سجلات المكالمات الهاتفية(HTS) الخاصة بتلك الليلة، مؤكدًا أن هذه الخطوة “ستفضي إلى فراغ كبير في المناصب”، في تلميح غير مباشر إلى تورط شخصيات عليا لا تزال تشغل مواقع حساسة في الدولة.
تأتي هذه المطالبة بعد دعوة رئيس حزب “المستقبل” أحمد داود أوغلو إلى نشر تقرير لجنة التحقيق البرلمانية حول الأحداث، والذي أعده البرلمان التركي عقب الانقلاب، لكن الحكومة ترفض نشره.
دعوة صريحة من داخل “البيت السياسي“
عبر حسابه على منصة “X”، وجّه شاكل طيار نداءً مباشراً إلى المدعي العام في إسطنبول، أكين غورلك، المعروف بتحقيقاته ضد رؤساء البلديات المعارضة، قائلاً: “في تلك الليلة التي تصدى فيها هذا الشعب العظيم لمحاولة الغزو الغادرة، أنقذ الدولة في الشارع، وغيّر مجرى التاريخ. أما من احتمى خلف الرئيس، فلم يتغير. مرّت السنوات، وإن كانت يد المدعي العام أكين غورلك قد امتدت لأمور كثيرة، فليُخرج لنا أيضاً المكالمات الهاتفية (HTS) الخاصة بتلك الليلة. سيكون ذلك نافعاً.”
واستكمل طيار منشوره بتلميح لافت: “الكشف عن المكالمات الهاتفية (HTS) الخاصة بتلك الليلة قد لا يكون خيرا ونافعا للبعض! لأنه إذا تم ذلك، فإن عدد المناصب الشاغرة سيكون أكبر مما يحتمل القلب.”
سجلات الاتصالات: قنبلة سياسية موقوتة
يقصد طيار بسجلات المكالمات الهاتفية تلك البيانات التقنية التي ترصد مواقع وهوية المتصلين في توقيت معين. وفي حال فتح هذه السجلات الخاصة بليلة 15 تموز 2016، قد تكشف عن أماكن وجود قيادات عسكرية ومدنية، ومسارات اتصالاتهم، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال الكشف عن علاقات مشبوهة أو تخاذل أو حتى تواطؤ في لحظة مفصلية من التاريخ التركي الحديث.
هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لطيار أن طالب بالتحقيق في “الذراع السياسي” للانقلاب المزعوم في عام 2016، وواجه حينها انتقادات حادة من داخل حزبه، ما يجعل من تصريحاته الحالية استمرارًا في نهج “المعارضة من الداخل“.
كما أن طيار أدلى قبل سنوات على الهواء مباشرة بتصريحات صادمة لأنصار الحزب الحاكم قال فيها: “لو ظهرت حقائق انقلاب 2016 لرأينا أن من نصفهم اليوم بالأبطال هم خونة الوطن، ومن نصفهم اليوم بخونة الوطن هم وطنيون حقيقيون”، على حد تعبيره.
دعم من رموز دينية ومعارضة
الكاتب الإسلامي المعروف عبد الرحمن ديليباك الذي أصبح معارضا في السنوات الأخيرة بعد أن كان من أشدّ المؤيدين للحكومة وأردوغان، أعاد نشر تصريحات طيار مضيفًا نبرة أكثر صراحة، حيث كتب: “هيا بنا من البداية… اسحبوا تلك الطوبة الملعونة! فليسقط جدار قصر الظلم الذي شُيّد على دماء وأحزان أبناء هذا الوطن.”
ويحمل هذا التعليق إشارات رمزية قوية، تربط بين دعوات كشف الحقيقة وبين إسقاط منظومة كاملة يُعتقد أنها بُنيت على التواطؤ والصمت، في إشارة ضمنية إلى تواطؤ بين الحكومة والقيادة العسكرية العليا على تدبير انقلاب صوري ليكون ذريعة لتصفية الخصوم.
صمت رسمي… وتساؤلات تتصاعد
رغم الجدل الواسع الذي أثارته هذه التصريحات، لم يصدر أي تعليق رسمي من القضاء أو الحكومة على دعوة طيار. وهو ما زاد من شكوك المتابعين حول ما إذا كانت هناك “خطوط حمراء” تمنع المساس ببعض الشخصيات أو الملفات، على الرغم من مرور 9 سنوات على الحدث.
كما تأتي هذه التصريحات في وقت تعيش فيه تركيا أزمات اقتصادية متفاقمة وتوترات سياسية داخلية، ما يجعل من الحديث عن “حقائق 15 تموز” مادة متفجرة من الناحية السياسية.
بين تصفية الحسابات ونداءات الحقيقة
يرى مراقبون أن تصريحات طيار قد تندرج ضمن محاولات “تصفية الحسابات الداخلية” داخل أروقة السلطة، لكنها في الوقت ذاته تعكس أيضًا ضغوطًا شعبية متزايدة لكشف حقيقة ما جرى في تلك الليلة، والتي لا تزال تفاصيلها موضع شك وتساؤل لدى شريحة واسعة من المواطنين.

