في تطورٍ لافتٍ على الساحة السياسية التركية، كتب رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، مقالًا في صحيفة “نيويورك تايمز”، تناول فيه ملابسات اعتقاله والمناخ السياسي المتأزم في البلاد. إمام أوغلو، الذي اُعتقل في 19 مارس وأودع سجن سيليفري بأمرٍ من النيابة العامة في إسطنبول، المعروفة بعملياتها المثيرة للجدل، اعتبر أن اعتقاله جاء نتيجة إدراك الرئيس رجب طيب أردوغان أنه لن يتمكن من هزيمته في صناديق الاقتراع، فلجأ إلى وسائل أخرى لإبعاده عن المشهد السياسي.
مشهد الاعتقال وأبعاده السياسية
تحت عنوان “أنا أكبر منافسٍ لرئيس تركيا وتم اعتقالي”، وصف إمام أوغلو لحظة اعتقاله في مقاله قائلًا: “المشهد لم يكن يشبه اعتقال رئيس بلدية منتخب في أكبر مدن تركيا، بل بدا وكأنه عملية مداهمة للقبض على إرهابي.” وأوضح أن قرار احتجازه جاء بعد سلسلة من الضغوط القضائية التي بلغت ذروتها بإلغاء شهادته الجامعية بعد 31 عامًا من تخرجه.
وأشار إلى أن أردوغان، بعدما أدرك أنه لا يستطيع هزيمته عبر الانتخابات، لجأ إلى اتهامات لا تستند إلى أدلة قوية، تشمل الفساد، والرشوة، وإدارة شبكة إجرامية، والتعاون مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، بهدف عزله عن منصبه المنتخب ديمقراطيًا، علما أن هذه التهم ذاتها كانت وجهت إلى الدائرة القريبة من أردوغان في عام 2013 لكنه حال دون استكمال العملية القضائية ومن ثم أغلق القضية رغم كل الأدلة والوثائق التي ظهرت في ذلك الوقت.
“الجمهورية تحولت إلى مناخٍ من الخوف“
تناول إمام أوغلو في مقاله سياسات أردوغان التي أدت إلى “تقويض التوازنات الديمقراطية”، حيث ذكر أن الرئيس التركي عمد على مدار سنوات إلى إسكات الإعلام، وإزاحة المنتخبين من مناصبهم، وتعطيل البرلمان، والسيطرة على القضاء، والتلاعب بالانتخابات. واعتبر أن حملات الاعتقال الواسعة للصحفيين والمعارضين السياسيين تهدف إلى بث رسالةٍ مفادها أن “لا أحد في مأمن”.
وقال: “تحت حكم أردوغان، أصبحت الجمهورية مناخًا من الخوف، حيث يمكن إبطال الأصوات الانتخابية، وسلب الحريات في لحظة واحدة.”
تصعيد جديد في مسار السلطوية
رأى إمام أوغلو أن اعتقاله يمثل “مرحلة جديدة في انحدار تركيا نحو السلطوية واستخدام السلطة التعسفية”، مشيرًا إلى أن تركيا، رغم إرثها الديمقراطي الطويل، أصبحت تواجه خطر “الوصول إلى نقطة اللاعودة”.
لكنه شدد على أن الشعب التركي لم يقف متفرجًا، بل “واجه القمع بتحدٍّ”، في إشارةٍ إلى المظاهرات الشعبية التي اندلعت رغم الحظر، وشملت مدنًا عدة، من بينها إسطنبول ومدينة ريزه، مسقط رأس أردوغان، حيث خرج مئات الآلاف إلى الشوارع رفضًا لاعتقاله.
“ثلاث معارك انتخابية، وثلاثة انتصارات“
أكد إمام أوغلو أنه رغم الضغوط، تمكن من نيل ثقة 15 مليون ناخب في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الرئاسة عن حزبه. كما استعرض مسيرته الانتخابية منذ 2019، موضحًا أنه واجه مرشحي أردوغان في ثلاث جولات انتخابية—مرتين في انتخابات إسطنبول البلدية عام 2019، ومرة في الانتخابات المحلية الأخيرة—وفي كل مرة كان الفوز حليفه، رغم أن أردوغان قاد حملات ضده شخصيًا.
وختم مقاله بالقول: “عندما لم يتمكن أردوغان من هزيمتي عبر الانتخابات، لجأ إلى القضاء الذي يسيطر عليه لإقصائي، في محاولة لإبعاد منافسٍ أظهرت استطلاعات الرأي أنه قادرٌ على الفوز إذا أجريت الانتخابات اليوم.”

