أجرى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، زيارة إلى إيران، أمس الأربعاء، في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة تغييرات جذرية على وقع حرب غزة ولبنان، وسقوط نظام بشار الأسد على يد حلفاء تركيا، وسط تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
ورغم أن قطر كانت في السابق لاعبًا نشطًا في الوساطات الدبلوماسية، فإن المعطيات الحالية تفرض تساؤلات حول مدى قدرتها على مواصلة هذا الدور، لا سيما في ظل التوجهات الأمريكية الجديدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، والتعقيدات المتزايدة للعلاقات الإيرانية – الإسرائيلية.
إيران بين الاستهداف العسكري والتصعيد السياسي
تواجه إيران مرحلة غير مسبوقة من الاستهداف العسكري، حيث لم تعد العقوبات المشددة وتجميد الأصول المالية هي الوسيلة الوحيدة للضغط عليها، بل باتت العمليات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ضد المصالح الإيرانية أمرًا متكررًا، سواء داخل إيران أو في سوريا. وقد أثبتت إسرائيل، من خلال عملياتها الأخيرة، تفوقها العسكري والاستخباراتي في مواجهة طهران.
في هذا السياق، لا يبدو أن إدارة ترامب ترى ضرورة لإعادة التواصل مع إيران، بل إنها تتبنى نهج “الضغوط القصوى”، وتدعم أي تحرك إسرائيلي ضدها. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد لقائه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن إسرائيل وجهت “ضربة قوية” لإيران منذ بداية حرب غزة، مشددًا على أن الدعم الأمريكي المستمر سيمكنهم من “إنجاز المهمة”. ولا بد من أن نتذكر التقارير الدولية التي تتحدث عن احتمالية شن هجوم على إيران من قبل إسرائيل.
قطر بين ضرورات الوساطة وحدود التأثير
تبرز تساؤلات حول الهدف الحقيقي لزيارة الشيخ تميم إلى طهران، وهل تأتي في إطار وساطة بين طهران وواشنطن أم أنها استمرار لنهج قطر في الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، حتى لو كان ذلك على حساب التوازنات الجديدة. فمن الواضح أن الدوحة لا تزال تراهن على المرونة الدبلوماسية التي كانت سائدة في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وهو رهان قد لا يلقى استجابة في ظل التشدد الأمريكي الحالي.
وقد تجد الدوحة نفسها في موقف صعب بعد هذه الزيارة، وفقًا لتحليل نشرته صحيفة “العرب” اللندنية، حيث لم تعد الأوضاع الإقليمية كما كانت سابقًا، وليس هناك ما يضمن أن واشنطن ستعتمد على قطر كقناة تواصل مع حماس أو طالبان أو حتى إيران، خاصة في ظل التقارب الكبير بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.
البُعد السوري: تسويات معقدة وتنافس المصالح
إلى جانب البُعد الإيراني – الأمريكي، حملت زيارة الشيخ تميم بُعدًا آخر يتعلق بالملف السوري، حيث أشار في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى أهمية إنجاح العملية السياسية الشاملة في سوريا.
لكن التساؤل هنا: ما الذي تسعى إليه قطر تحديدًا في هذا الملف؟ هل تريد ضمان عدم تدخل إيران في عمل الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، أم أنها تسعى إلى تقديم عرض لإيران يقضي بالاعتراف بالأمر الواقع مقابل ضمان مصالحها في دمشق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي طبيعة هذه المصالح؟ وهل تشمل استمرار تدفق الدعم المالي والعسكري لحزب الله؟ وما هو موقف إسرائيل والولايات المتحدة من أي تفاهمات محتملة؟
المعادلة التركية: بين النفوذ العسكري والهيمنة الاقتصادية
تمثل تركيا طرفًا رئيسيًا في المعادلة السورية، حيث لعبت الدور الأكبر في إسقاط نظام الأسد، رغم أن التمويل والدعم جاء من الدوحة. لكن أنقرة لا ترى في إسقاط الأسد هدفًا نهائيًا، بل تسعى إلى تثبيت نفوذ استراتيجي واسع يشمل قواعد عسكرية وتأثيرًا مباشرًا على المؤسسة العسكرية والأمنية السورية، إضافة إلى هيمنة اقتصادية على القطاعات الحيوية التي كانت في قبضة النظام السابق.
وبالتالي، فإن أي تسوية تقترحها الدوحة مع إيران قد تصطدم بالمصالح التركية، التي لا تزال ترى في سوريا ساحة نفوذ استراتيجي، ولن ترضى بحل سياسي لا يضمن لها دورًا حاسمًا. فإيران لم تدخل إلى سوريا فقط لدعم الأسد، بل لتأمين نفوذها في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما يسعى الأتراك لتحقيقه أيضًا من خلال الإدارة السورية الجديدة، وفقا للتحليل المذكور.
قطر أمام معادلات معقدة
من خلال زيارته إلى طهران، حاول الشيخ تميم إعادة تفعيل دور قطر كوسيط إقليمي، لكنه يصطدم بواقع جديد أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الأمور تُحسم بالدبلوماسية وحدها، بل أصبحت معادلات النفوذ والمصالح هي المحرك الأساسي للقرارات.
إن الدعوة القطرية للحوار والتفاهم قد تجد صدى في الخطاب السياسي، لكنها تصطدم بحقائق الأرض، حيث تسود التوجهات التصعيدية بدلًا من التهدئة، وحيث تحكم المصالح الاستراتيجية الكبرى قرارات اللاعبين الإقليميين. وكما يقال في المثل العربي: “ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُفعل”، فقد تكون حسابات الدوحة مختلفة، لكن الواقع قد يفرض عليها إعادة النظر في مدى قدرتها على التأثير في الملفات الإقليمية الكبرى.

