يشير أيدوغان وطنداش إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت تُعرف لعقود طويلة بأنها معقل العلمانية الغربية، تشهد في السنوات الأخيرة تحولاً ثقافياً غير مسبوق، يتمثل في عودة الدين إلى قلب الحياة العامة والسياسية.
فوفقاً لأحدث الدراسات الميدانية، يرى أكثر من ثلث الأمريكيين أن الدين استعاد نفوذه في المجتمع خلال العام الأخير، وهو ارتفاع حاد مقارنة بالأعوام السابقة، ما يعكس تحوّلاً في المزاج الثقافي العام.
لكن هذا الصعود الديني، بحسب وطنداش، لا يقتصر على زيادة الممارسات التعبدية، بل يمتد إلى حضور الدين في الفضاء العام، حيث باتت الرموز الدينية والخطابات العقائدية جزءاً متنامياً من المشهد الإعلامي والسياسي.
دين أكثر حضوراً… ومجتمع أكثر انقساماً
في مقال له بموقع (724) الإخباري، يرى وطنداش أن المفارقة اللافتة تكمن في أن اتساع الحضور الديني في المجال العام ترافق مع شعور متزايد بالاغتراب الثقافي بين المؤمنين والعلمانيين. فأكثر من نصف الأمريكيين باتوا يعتقدون أن معتقداتهم “تتناقض مع الثقافة الأمريكية السائدة”، في إشارة إلى تصاعد الشعور بأن الإيمان لم يعد جزءاً من التيار العام، بل في مواجهة معه.
ويصف وطنداش هذا المشهد بأنه “عودة الإيمان في لحظة القلق الوجودي الأمريكي”، حيث تحولت المعتقدات إلى أداة للتمايز والاحتجاج الثقافي، لا مجرد ممارسة روحية.
الصراع في المدارس: الدين يعود إلى الفصول الدراسية
تظهر ملامح هذا الانقسام بوضوح في الجدل الدائر حول السماح بالصلوات المسيحية في المدارس الحكومية.
فبينما تؤيد الأغلبية في الولايات الجنوبية — التي تُعرف تقليدياً بـ“حزام الكتاب المقدس” — إدراج الصلوات في المناهج اليومية، تعارضها ولايات الساحل الغربي والشمال الشرقي بدعوى الدفاع عن “المساواة الدستورية”.
ويؤكد وطنداش أن هذا الجدل التعليمي هو في جوهره صراع هوية، إذ يرى الجنوبيون في الصلاة “رمز مقاومة ثقافية” ضد ما يعتبرونه تغريباً للهوية الأمريكية، فيما يعدّها الشماليون “تهديداً للعلمانية التي تحمي التعدد”.
بهذا المعنى، فإن الخلاف حول الصلاة في المدارس ليس مسألة دينية فحسب، بل عنوان لمواجهة فكرية حول معنى “أمريكا” نفسها.
من المحاكم إلى السياسة: تصاعد الدين كعامل قانوني وسياسي
يمتد الجدل الديني إلى أروقة القضاء، حيث شهدت الأعوام الأخيرة سلسلة من القضايا التي تعكس احتدام النقاش حول علاقة الدولة بالدين.
فقد حظرت المحكمة العليا في أوكلاهوما تأسيس مدرسة عامة ذات مرجعية دينية، فيما حاول مشرّعون جمهوريون في تكساس تمرير قانون يُلزم المدارس بعرض “الوصايا العشر” في الفصول الدراسية.
وفي لويزيانا، ألغت محكمة فدرالية تشريعاً مشابهاً بدعوى مخالفته للدستور.
يعلق وطنداش على هذه التطورات بالقول إن “أمريكا تعيش مرحلة إعادة تعريف لحدود المقدس والمدني، وكأنها تدخل جولة جديدة من حروب الدين القديمة ولكن بأدوات معاصرة”.
الهوية الدينية في قلب السياسة الأمريكية
تحول الدين، بحسب تحليل وطنداش، إلى محور مركزي في الخطاب السياسي الأمريكي. فالقيم الدينية، التي كانت تتراجع في العقود الأخيرة أمام صعود الليبرالية الثقافية، عادت لتحتل مكانها في الحملات الانتخابية.
ويُعدّ الناخبون الإنجيليون العمود الفقري للحزب الجمهوري، إذ يرى معظمهم أن دور الدين في الحياة العامة “إيجابي وضروري”، ما يجعلهم قوة حاسمة في انتخابات الكونغرس المقبلة وانتخابات الرئاسة لعام 2028.
ويرى وطنداش أن الجمهوريين قد يعيدون ترتيب خطابهم حول شعارات “العائلة، والصلاة، والمدرسة، والإيمان”، في محاولة لإحياء الزخم المحافظ، فيما سيجد الحزب الديمقراطي نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على الناخبين العلمانيين دون خسارة المؤمنين المعتدلين؟ بهذا، لم تعد الانقسامات الأمريكية تُختزل في ثنائية اليمين واليسار، بل باتت تتجسد في مواجهة بين “المؤمنين والعلمانيين”.
مستقبل العلمانية الأمريكية: مبدأ على المحك
منذ إقرار الدستور الأمريكي عام 1789، شكّل مبدأ الفصل بين الدين والدولة أحد أركان التجربة الديمقراطية الأمريكية.
لكن وطنداش يرى أن هذا الركن بات اليوم مهدداً بالتحول من “قيمة تأسيسية” إلى “موضوع نزاع سياسي”.
فالدين، الذي كان يُنظر إليه كمصدر إلهام أخلاقي خاص، أصبح أداة تعبئة جماهيرية تُستخدم لتوجيه الرأي العام وصياغة السياسات العامة.
ويشير وطنداش إلى أن “السياسيين لم يعودوا يتحدثون عن الله كقيمة، بل كوسيلة انتخابية”، محذراً من أن تسييس الإيمان قد يقود إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الديمقراطية نفسها.
بين عودة الإيمان وانهيار التوافق
يختتم وطنداش تحليله بالتأكيد على أن “عودة الدين في أمريكا ليست نهضة روحية بقدر ما هي تعبير عن أزمة هوية”. فالمجتمع الأمريكي لا يعيش صحوة إيمانية بقدر ما يخوض معركة على معنى الانتماء والهوية الثقافية. الدين هنا ليس جسراً للتفاهم، بل خط تماس جديد يعمّق الاستقطاب بين الولايات، ويعيد صياغة الخريطة السياسية والأخلاقية للبلاد.

