في حادثة تُنذر بتصعيد التوترات السياسية والعسكرية في الصومال، أعلنت سلطات إقليم بونتلاند، شبه المستقل شمال شرقي البلاد، عن مصادرة سفينة شحن أجنبية تحمل معدات عسكرية بعضها يحمل علامات تركية، كانت متجهة على ما يبدو إلى العاصمة مقديشو، وفقًا لما أفاد به موقع The Maritime Executive المتخصص في الشؤون البحرية.
أجريت العملية يوم 18 يوليو الجاري، قبالة ساحل مدينة بريدا القريبة من رأس غاردافوي، وهي نقطة استراتيجية تقع في أقصى شمال شرق القرن الأفريقي، حيث قامت قوات شرطة بونتلاند البحرية (PMPF)بالصعود إلى السفينة، والتي كانت ترفع علم جزر القمر وتحمل اسم Sea World.
محتويات الشحنة: عربات مدرعة وأسلحة ثقيلة وذخائر
بحسب ما ذكرته مصادر محلية، عُثر على متن السفينة على عربات مدرعة مقاومة للألغام، وشاحنات عسكرية، ومدافع مضادة للطائرات، وصناديق ذخيرة، وأسلحة خفيفة ومتوسطة، بعضها يحمل علامات تركية واضحة. وتم نقل السفينة إلى ميناء بوصاصو حيث تخضع الآن للحراسة، فيما تجري السلطات المحلية تحقيقًا موسعًا بشأن الحمولة والوثائق المرافقة لها.
وظهرت مقاطع فيديو نُشرت عبر وسائل إعلام محلية تظهر مدنيين وهم ينهبون الأسلحة من السفينة قبل أن تفرض القوات البحرية السيطرة على الموقع.
بونتلاند: سلطة شبه مستقلة تتحدى الحكومة الفيدرالية
تُعد بونتلاند، التي يزيد عدد سكانها عن أربعة ملايين نسمة، من أول الأقاليم التي أعلنت تأسيس إدارة ذاتية في الصومال منذ عام 1998. ورغم اعتبارها نفسها جزءًا من الاتحاد الفيدرالي، فقد شهدت علاقاتها مع مقديشو انهيارًا حادًا منذ الأزمة الدستورية في مارس 2024، حين أعلنت تعليق تعاونها مع الحكومة الفيدرالية، ورفضت الاعتراف بشرعيتها إلى حين صياغة دستور جديد يُعرض على استفتاء بمشاركة كافة الأقاليم.
ومنذ ذلك الحين، تُمارس بونتلاند سلطة فعلية كاملة على أراضيها، بما يشمل مراقبة الحدود البحرية، وفرض سيطرتها الأمنية والعسكرية.
مقديشو: الشحنة كانت موجهة لقاعدة تدريب ضمن اتفاق مع تركيا
من جهتها، أكدت مصادر في الحكومة الفيدرالية الصومالية أن الأسلحة المصادرة كانت متجهة إلى قاعدة تدريب عسكرية في مقديشو، حيث تتمركز قوات تركية منذ سنوات في إطار اتفاقية دفاع ثنائية. وتُعد قاعدة “تركسوم“ أبرز معقل تركي في الصومال، وتشرف على تدريب وحدات النخبة من قوات الأمن الصومالية.
وفي فبراير 2024، وسّعت تركيا دورها العسكري عبر توقيع اتفاقية أمنية بحرية مع مقديشو، تتضمن نشر قوات بحرية وتنفيذ دوريات ساحلية مشتركة، مما أثار حفيظة بعض الأقاليم المحلية، خصوصًا بونتلاند، التي تعتبر ذلك مسًّا بسيادتها المفترضة.
غموض قانوني وغياب للرد الرسمي
ورغم أن مجلس الأمن الدولي رفع الحظر الدولي المفروض على تسليح الصومال في ديسمبر 2023، فإن عمليات تسليح القوات الفيدرالية لا تزال تتطلب إشعارًا رسميًا مسبقًا وفقًا للقرارات الأممية السارية.
حتى مساء الثلاثاء، لم تصدر تركيا ولا الحكومة الفيدرالية الصومالية أي بيان رسمي بشأن الحادث، كما لم يتم تأكيد وجود علاقة مباشرة بين أنقرة والسفينة المصادرة.
أزمة تتفاقم وسط صمت دولي وإقليمي
تمثل هذه الحادثة أحدث فصول التوتر بين بونتلاند ومقديشو، وتسلّط الضوء على هشاشة البنية الفيدرالية الصومالية، وعلى تعقيد الدور الإقليمي لتركيا في بلد ما زال يتلمّس طريقه نحو الاستقرار. كما تطرح تساؤلات قانونية حول مشروعية شحنات الأسلحة، وآليات التنسيق الأمني بين الأقاليم والحكومة المركزية في ظل غياب توافق وطني جامع.

