يرى الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، في مقال بموقع “توركيش مينوت”، أن عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل قطيعة حاسمة في السياسة الخارجية لواشنطن؛ فبعكس إدارات أوباما وبايدن، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التحالفات الدولية مثل الناتو باعتبارها التزامات قيمية أو استراتيجية طويلة الأمد، بل تحولت إلى سياسة تقوم على “المقايضة المباشرة”: أعطيك شيئاً مقابل ما تقدمه لي. هذه المقاربة البراغماتية تفتح الباب أمام قادة استبداديين مثل رجب طيب أردوغان للحصول على مساحة مناورة أكبر، ما داموا قادرين على تلبية المصالح الأمريكية الفورية.
مأزق الشرعية الداخلية والرهان على واشنطن
يشير مراد إلى أن أردوغان، الذي يواجه تراجعاً في شعبيته الداخلية بسبب استبداده المتصاعد وتراجع الثقة في المؤسسات، ينظر إلى واشنطن بوصفها منصة لإعادة تدوير شرعيته. فبعد أن قوبل بالرفض خلال إدارة بايدن، ولم تُوجه له دعوة لزيارة البيت الأبيض، جاء لقاء ترامب بمثابة فرصة لاستعادة الاعتراف الدولي الذي فقده. غير أن هذه الشرعية الخارجية لا تخفي حقيقة فقدانه شرعية الداخل، حيث ضعفت سيادة القانون وتعرضت المعارضة لضغوط غير مسبوقة.
إرث التوتر مع الغرب وقضية “خلق بنك“
تدهورت علاقة أردوغان بالغرب منذ قمعه العنيف لاحتجاجات “غيزي بارك” عام 2013، وتدخله في القضاء لوقف تحقيقات فساد طالت دائرته المقربة في نهاية ذلك العام. ويضيف مراد أن قضية “خلق بنك”، المستمرة منذ نحو عقد، لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً على أردوغان. التحقيقات الأمريكية المتعلقة بالالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، والمشاركة المثيرة للجدل لرجل الأعمال التركي-الإيراني رضا ضراب كشاهد رئيسي، جعلت من إغلاق هذا الملف مطلباً شخصياً لأردوغان في واشنطن، لكنه لم يُحقق حتى الآن.
ترامب يقدم “الشرعية مقابل التنازلات“
برأي مراد، أن أردوغان وجد في ترامب شريكاً جاهزاً لمنحه ما يفتقده في الداخل: الاعتراف والاحتفاء الرسمي. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى بيع صفقات طائرات بوينغ ومقاتلات إف-16 وغاز مسال (LNG) بمليارات الدولارات، إضافة إلى استمالة الموقف التركي في قضايا إقليمية. قبيل زيارة البيت الأبيض، أوضح السفير الأمريكي في أنقرة توم باراك صراحة أن واشنطن مستعدة لتجاوز قضايا مثل الاستبداد المتصاعد وحتى ملف “خلق بنك”، إذا ما ضمنت مصالحها التجارية والجيوسياسية.
تنازلات باهظة الثمن على حساب تركيا
يرى مراد أن هذه الصفقة تحقق أهداف أردوغان الشخصية قصيرة المدى، إذ تسمح له بمواصلة حملة القمع في الداخل وإقصاء المعارضة عبر القضاء، في وقتٍ يستقبله فيه البيت الأبيض بالبساط الأحمر. غير أن تركيا، كدولة أضعف اقتصادياً وعسكرياً، تدخل هذه المعادلة من موقع هش. فخلال المؤتمر الصحفي المشترك، لم يتردد ترامب في مطالبة أنقرة بوقف استيراد النفط الروسي، رغم التكلفة العالية لمثل هذا القرار. وفي الوقت نفسه، وقعت تركيا على التزام بشراء غاز مسال أمريكي بقيمة 43 مليار دولار على مدى عشرين عاماً، وهو خيار أكثر كلفة من الغاز الروسي، وقد يؤدي إلى أزمة اقتصادية حادة ويعكر علاقة أنقرة مع موسكو.
سلوك أردوغان: خضوع وتجنب الملفات الحساسة
لاحظ مراد أن أردوغان تجنب خلال الزيارة فتح ملفات حساسة مثل الأزمة السورية أو الوضع في غزة، كما لبّى رغبة ترامب في الحديث بإيجابية عن إعادة فتح معهد “هيبلي آدا” اللاهوتي، واكتفى بلغة مهادِنة. بل إن تعليق ترامب العابر بأنه “لا يعرف موقف أردوغان من قضية غزة” أظهر إلى أي مدى أُقصيت القضايا الإقليمية عن أولويات الحوار، لصالح التفاهمات التجارية.
انعكاسات سلبية على المدى الطويل
يعتبر مراد أن السياسة “الصفقة مقابل الصفقة” قد تمنح أردوغان فسحة قصيرة الأجل لإحكام قبضته، لكنها ستدفع تركيا نحو تنازلات متزايدة، فيما تفقد واشنطن ما تبقى من صورتها كمدافع عن الديمقراطية. تصريحات ترامب التي تضمنت مزاحاً فجاً حول التلاعب بالانتخابات، وامتداحه لأردوغان في ظل حملات القمع الداخلية، قد تثير غضب المعارضة التركية وتعمق صورة التناقض الأمريكي بين الخطاب والممارسة.
أزمة الاقتصاد والاستبداد الداخلي
بحسب مراد، فإن غياب سيادة القانون في تركيا يغذي الفساد ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يشبه ما مرت به الأرجنتين في أزماتها المزمنة. ومع كل تنازل جديد يقدم في واشنطن، تتفاقم أزمة الداخل، ويقترب المشهد التركي من “أرجنتنة” لا رجعة فيها.
ما بعد أردوغان: شرعية خارجية لا تنقذ الداخل
يخلص مراد إلى أن أردوغان لم يصل إلى السلطة بدعم أمريكي، ولن يتمكن من الاستمرار عبره. فشرعية الخارج لا تغني عن فقدان الداخل، والاعتماد على دبلوماسية مقايضة مع رئيس أمريكي براغماتي مثل ترامب لن يمنع تركيا من الانزلاق نحو مرحلة ما بعد أردوغان، المليئة بالاضطراب السياسي والانكماش الاقتصادي. إن غصن الشرعية الخارجي الذي يتمسك به أردوغان هش، وعندما ينكسر، سيكشف أن واشنطن لم تمارس دبلوماسية ذكية بقدر ما شاركت في تفكك طويل الأمد للدولة التركية.

