منذ سنوات طويلة، تُدار السياسة في تركيا عبر معادلات سطحية تختزل المشهد في ثنائيات مبسطة من قبيل: “الرئيس جيد، لكن الرجال في محيطه سيئون”، أو “نعم لتركيا بلا إرهاب”، أم “لا لتركيا بلا أردوغان”. غير أن الصحفي والمحلل السياسي طارق طوروس يرى أن هذه المعادلات، رغم شيوعها، لا تصمد أمام الواقع المعقد الذي تمر به البلاد، خاصة في ظل تزايد المؤشرات على محاولات إعادة إنتاج النظام نفسه بأدوات وشخوص مختلفة.
المركز المحصّن: الزعيم وخطاب “المحيط”
يرى طوروس أن الزعيم في تركيا غالبًا ما يُحصَّن بدرع من القداسة السياسية، بينما تُحمَّل البيئة المحيطة به – من مستشارين ومسؤولين – مسؤولية الفشل والفساد والقمع، بما يشبه “كبش الفداء” السياسي. لكنه يلفت النظر إلى حقيقة جوهرية: البيئة المحيطة هي انعكاس مباشر لاختيارات الزعيم ذاته. وغالبًا ما تُنتقى لتتماهى مع رؤيته وتحمي سلطته، لا العكس. وبالتالي، لا يمكن التذرع بسوء المحيط لتبرئة الزعيم.
إرث العشرين سنة: عندما يكون الواقع أقوى من الأمنيات
يوضح طوروس أنه لا يتعاطى مع السياسة من منطلق التمنيات أو “الخيال السياسي”، بل من موقع التحليل الواقعي المبني على الوقائع والتوازنات الفعلية. وفي هذا السياق، يرفض كليًا المقولة الرائجة: “الزعيم حسن النية لكنه مخدوع”، معتبرًا أنها ليست فقط ساذجة، بل خطيرة. ومن هذا المنظور، يرى أن الرئيس أردوغان ليس شخصية عصية على التحليل، بل هو من صاغ هذا النظام واختار أدواته بحذر، وهو مسؤول مباشر عن كل ما يجري.
معضلة المعارضة: الصمت عن “القصر”
رغم اشتداد التوتر السياسي، لا تجرؤ معظم أطراف المعارضة، بحسب طوروس، على توجيه النقد المباشر إلى “القصر”، أي مركز القرار الحقيقي في البلاد. وحتى حين يتم ذلك، يجري التلميح لا التصريح. وفي ظل هذا الغموض، تحافظ بعض الأحزاب الصغيرة – التي لا تملك قاعدة جماهيرية حقيقية – على مواقعها داخل الدولة، خاصة في الأجهزة الحساسة كالأمن والقضاء. ويفيد طوروس أن هذا التوزيع يلقى قبولًا من كل من دولت بهجلي، زعيم الحركة القومية، ودوغو برينجك، الذي يمثل ما يُعرف بـ”العقل المؤسساتي ما بعد أرجنكون (الجناح الأوراسي للدولة العميقة)
الإعلام: خطاب مزدوج وذاكرة انتقائية
يتهم طوروس الإعلام الموالي للسلطة بازدواجية فجة، إذ يسوق خطابًا يوحي بأن النظام الحالي “نقي”، في حين أن الأطر المؤسساتية ما زالت تسير وفق عقلية ما قبل 15 عامًا. ويرى أن هذا النوع من التغطية يفتقر للمصداقية، خاصة لمن يملكون ذاكرة سياسية قوية.
عملية إبعاد إمام أوغلو: تساؤلات ما وراء القرار
يُعد قرار إقصاء أكرم إمام أوغلو، عمدة إسطنبول وأحد أقوى المرشحين لرئاسة الجمهورية، محطة مفصلية. بالنسبة لطوروس، هذا القرار لم يكن مجرد خطوة سياسية اعتيادية، بل مناورة مدروسة تستهدف إخراجه من المعادلة قبل الانتخابات. ويطرح عدة تساؤلات في هذا الصدد:
- هل هذا القرار من تخطيط القصر مباشرة؟
- أم أنه نتيجة تدخل جهات نافذة داخل “البيت الحاكم” أو خارجه؟
- هل يسعى “العقل المؤسساتي” (post-Ergenekon) إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي؟
ويطرح سيناريوهين:
السيناريو الأول: خلق هالة “المظلوم” حول إمام أوغلو لتكريسه زعيمًا مستقبليًا.
السيناريو الثاني: التخلص منه تمهيدًا لتقديم بديل أكثر قابلية للتوجيه.
أزمة البديل: هل يريد النظام التغيير فعلًا؟
يرى طوروس أن عملية التغيير في تركيا تصطدم بحقيقة مرة: معظم الفاعلين السياسيين، حتى داخل المعارضة، لا يريدون تغيير النظام، بل السيطرة عليه. بدليل أن أي سياسي لا يطرح إلغاء المؤسسات السلطوية كالمجلس الأعلى للقضاء أو هيئة الإذاعة والتلفزيون أو مجلس التعليم العالي، بل ينتظر دوره في توظيفها. وهذا يعكس جوهر الإشكال: لا أحد يريد كسر العصا، الكل ينتظر لحظة إمساكها.
اللغة السياسية: عندما تنقل المعارضة مفردات السلطة
يُحذر طوروس من انسياق المعارضة خلف قاموس النظام، مثلما حدث مؤخرًا في خطاب زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، خلال مهرجان فان، حين كرر عبارة: “نعم لتركيا من دون إرهاب”. رغم أن ظاهر العبارة يبدو بريئًا، إلا أن طوروس يلفت إلى أنها تحمل إرثًا دعائيًا ثقيلًا، طالما استخدمته السلطة لتجريم الخصوم ووضعهم في خانة الشبهة. وهكذا، تصبح المعارضة، من دون قصد، جزءًا من خطاب السلطة وتعيد إنتاج حدودها المفروضة.
ما بعد أردوغان: تغيير الأسماء أم تغيير النهج؟
يرى طوروس أن “تركيا بلا أردوغان” لا تعني الكثير إذا لم تُقترن برفض شامل للنهج الذي مثله: منطق الحكم، استخدام مؤسسات الدولة لقمع الخصوم، وتضييق المجال العام. وعليه، فإن تغيير الأفراد دون تغيير الآليات لا يعدو كونه إعادة تموضع داخل النظام نفسه.

