في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لمتابعة تداعيات الأزمة واحتمالات توسعها. وفي هذا السياق أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود اتصالات هاتفية مع وزيري خارجية البرازيل وبولندا تناولت التطورات الجارية في المنطقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، إلى جانب الجهود السياسية المبذولة لاحتواء التصعيد.
وتأتي هذه الاتصالات في وقت تتزايد فيه التحليلات حول طبيعة الصراع الدائر حالياً واحتمالات تحوله إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
تقدير احتمالات الحرب العالمية
يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بواشنطن سليمان أوزيرين، أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة ما يزال سابقاً لأوانه في المرحلة الراهنة، وذلك في مداخلة له على قناة الإشراق في أبو ظبي. ويشير الأكاديمي التركي، الذي فُصل من عمله في تركيا بموجب قرارات الطوارئ عقب محاولة الانقلاب الغامضة في تركيا 2016، إلى أن الظروف الحالية لا توحي بوجود مواجهة عالمية شاملة على الأرض.
وبحسب تقديره، فإن تحول الصراع إلى حرب عالمية يبقى احتمالاً مرتبطاً بتطورات محددة، أهمها توسع العمليات العسكرية ودخول قوى كبرى مثل روسيا والصين في المواجهة بشكل مباشر. ويرى أن السيناريو الأخطر قد يتبلور إذا تحولت الحرب إلى صراع بري واسع يجر هذه القوى إلى التدخل العسكري المباشر.
حسابات بكين وموسكو في الأزمة
يؤكد أوزيرين أن الموقفين الروسي والصيني ما يزالان في إطار التصريحات السياسية والدبلوماسية دون انخراط عسكري فعلي. ويعزو ذلك إلى حسابات استراتيجية معقدة لدى الطرفين.
فبالنسبة إلى الصين، ترتبط الأزمة ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة. إذ تعتمد بكين بدرجة كبيرة على النفط القادم من إيران، كما أن نسبة كبيرة من صادرات النفط المتجهة إلى آسيا تمر عبر مضيق هرمز. لذلك فإن أي اضطراب طويل في هذا الممر الحيوي قد يؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الصيني.
ويرى أوزيرين أن الصين تفضل في الوقت الحالي الاكتفاء بالمواقف السياسية، لكنها قد تعيد تقييم سياستها إذا بلغ التصعيد مستويات تهدد تدفق الطاقة العالمية أو استقرار التجارة الدولية.
أما روسيا، التي تخوض حرباً مستمرة في أوكرانيا، فتواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية كبيرة، ما يجعل انخراطها في جبهة جديدة أمراً معقداً. ومع ذلك، لا يستبعد أوزيرين أن ترى موسكو في دعم إيران فرصة استراتيجية لمواجهة الضغوط الغربية إذا تطورت الحرب بشكل كبير.
مخاطر التدخل البري الأمريكي
يشير أوزيرين إلى أن أحد أخطر السيناريوهات المحتملة يتمثل في نشر قوات برية أمريكية داخل إيران أو في محيطها. ويؤكد أن مثل هذه الخطوة ستكون محفوفة بمخاطر عسكرية وسياسية كبيرة.
فعلى الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضون الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، كما أن الانقسام السياسي داخل الحزب الجمهوري نفسه يعكس ضعف الدعم الشعبي لمثل هذه المغامرة العسكرية.
ويضيف أن أي حرب تخوضها الإدارة الأمريكية دون قاعدة دعم داخلي واسعة قد تواجه صعوبات سياسية كبيرة مع مرور الوقت.
استخدام القوى الكردية واحتمالات التداعيات الإقليمية
يتوقف أوزيرين عند الحديث المتداول حول احتمال استخدام مجموعات كردية مسلحة في العمليات داخل إيران، محذراً من أن هذا الخيار قد يحمل تداعيات إقليمية واسعة.
فبحسب تقديره، هناك فرق كبير بين التعاون الأمريكي مع القوى الكردية في سوريا وبين استخدام مجموعات كردية انفصالية داخل إيران. ويرى أن إدخال هذا العامل في الصراع قد يثير توترات إقليمية حادة، خصوصاً مع تركيا التي تعارض بشدة أي تحركات انفصالية كردية.
كما يشير إلى احتمال حدوث تأثير عكسي داخل إيران، إذ إن طرح فكرة تقسيم البلاد أو إقامة كيان قومي منفصل قد يؤدي إلى توحيد قطاعات واسعة من الإيرانيين خلف الدولة، حتى بين أولئك الذين يعارضون النظام السياسي.
المخاوف الأوروبية: الطاقة واللاجئون
يؤكد أوزيرين أن الاتحاد الأوروبي يراقب الأزمة بقلق متزايد لعدة أسباب رئيسية.
في مقدمة هذه المخاوف احتمال اندلاع موجة لجوء جديدة إذا تحولت إيران إلى ساحة حرب طويلة الأمد. وتشير تقديراته إلى أن أوروبا تدرك أن أي تدفق كبير للاجئين قد يمر أولاً عبر تركيا قبل الوصول إلى القارة الأوروبية.
وقد انعكس هذا القلق في الاتصالات السياسية بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث كان ملف اللاجئين أحد أبرز القضايا المطروحة.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل الطاقة كأحد مصادر القلق الأساسية، خاصة في ظل استمرار التوتر بين أوروبا وروسيا. ويشير أوزيرين إلى أن اعتماد أوروبا المتزايد على مصادر بديلة مثل الطاقة الأمريكية قد يخفف الأزمة جزئياً، لكنه قد يخلق في المقابل أشكالاً جديدة من الاعتماد الاستراتيجي.
ورغم هذه المخاوف، يلاحظ أن دولاً أوروبية عدة ما تزال مترددة في الانخراط العسكري المباشر، إذ أعلنت إسبانيا رفضها المشاركة في أي تدخل، بينما تفضل دول مثل ألمانيا والمملكة المتحدة الابتعاد عن أي مواجهة مباشرة.
شرق أوسط مختلف بعد الحرب
يرى أوزيرين أن الحرب، إذا استمرت لفترة طويلة، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل عميقة في خريطة الشرق الأوسط السياسية والأمنية.
ويشير إلى أن المنطقة شهدت بالفعل تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من تداعيات هجمات السابع من أكتوبر 2023 وصولاً إلى تغيرات سياسية إقليمية أخرى، ما يعني أن أي حرب واسعة مع إيران قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة بالكامل من التوازنات والتحالفات.
وبحسب تقديره، فإن مفهوم الثقة بين الدول في المنطقة قد يتعرض لاهتزاز كبير، ما سيدفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل استراتيجية وتحالفات جديدة، رغم محدودية الخيارات المتاحة.
الحرب على رأس جدول أعمال واشنطن وبكين
في سياق التطورات الدولية، يتوقع أوزيرين أن تحتل الأزمة المرتبطة بإيران موقعاً مركزياً في أي محادثات مستقبلية بين الولايات المتحدة والصين، خصوصاً مع الحديث عن زيارة محتملة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين.
ويرى أن أزمة الطاقة العالمية وتداعيات الحرب على الاستقرار الاقتصادي الدولي قد تدفع البلدين إلى مناقشة الملف الإيراني باعتباره أحد أبرز القضايا الجيوسياسية الراهنة.
خلاصة
يرى سليمان أوزيرين أن الصراع الحالي حول إيران ما يزال ضمن نطاق قابل للاحتواء، لكنه يحمل عناصر تصعيد قد تدفع القوى الكبرى إلى التدخل إذا طال أمد الحرب. وفي حال استمرار النزاع، قد يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات الدولية.

