في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بموقف حاد تجاه الضربات الإيرانية التي طالت عدداً من دول الخليج، واصفاً إياها بأنها “استراتيجية خاطئة” من شأنها دفع المنطقة نحو صراع أوسع يصعب احتواؤه. تصريحات فيدان، التي أدلى بها في مقابلة متلفزة عبر مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية، عكست قلقاً تركياً متصاعداً من انتقال المواجهة بين طهران وخصومها إلى ساحة إقليمية مفتوحة.
سياق التصعيد: من ضربات أولى إلى دوامة ردود متبادلة
التطورات الميدانية جاءت في أعقاب ضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران، ما فتح الباب أمام موجة ردود إيرانية شملت إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، بالتوازي مع تنفيذ إسرائيل هجمات إضافية. هذا النمط من الفعل وردّ الفعل أعاد رسم خريطة الاشتباك في الشرق الأوسط، بحيث لم تعد المواجهة محصورة بين أطراف مباشرة، بل أخذت طابعاً عابراً للحدود.
ضمن هذا الإطار، أشار فيدان إلى أن الهجمات الإيرانية طالت دولاً عربية “من دون تمييز”، معدداً سلطنة عمان وقطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن. ووفق القراءة التركية، فإن توسيع دائرة الأهداف يضاعف مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
الموقف التركي: بين الجوار الجغرافي وعضوية الناتو
تكتسب التحذيرات التركية وزناً خاصاً بالنظر إلى أن تركيا دولة مجاورة لإيران، وترتبط معها بحدود برية طويلة وتداخلات اقتصادية وأمنية معقدة، وفي الوقت نفسه هي عضو في حلف شمال الأطلسي، ما يضعها في موقع حساس بين توازنات متعارضة.
أنقرة، بحسب ما أكد فيدان، تدفع باتجاه العودة إلى المسار الدبلوماسي، وقد كثفت اتصالاتها مع عدة حكومات إقليمية ودولية لبحث سبل وقف الهجمات واحتواء التصعيد. هذا التحرك يعكس محاولة تركية للعب دور الوسيط أو الموازن، مستفيدة من قنواتها المفتوحة مع أطراف
الحسابات الإيرانية ومخاطر “الردع المتدحرج”
توصيف فيدان للضربات بأنها “خاطئة حتى من وجهة نظر إيران نفسها” يحمل بعداً استراتيجياً. فالهجمات العابرة للحدود قد تمنح طهران رسالة ردعية قصيرة المدى، لكنها في المقابل ترفع احتمالات تشكّل اصطفاف إقليمي مضاد، وتبرر توسيع نطاق العمليات العسكرية من قبل خصومها.
كما أن استهداف دول خليجية يُدخل أطرافاً إضافية في معادلة الرد، ويهدد أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، تبدو المخاوف التركية مرتبطة ليس فقط بالاعتبارات الأمنية، بل أيضاً بحسابات الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي الذي تحتاجه أنقرة في ظل تحدياتها الاقتصادية الداخلية.
الخليج بين نيران متقاطعة ومحاولات احتواء
الدول التي ذُكرت في التصريحات التركية تجد نفسها في موقع بالغ الحساسية. فهي من جهة تسعى إلى تجنب التحول إلى ساحات مواجهة، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل الهجمات التي تطال أراضيها أو مجالها الجوي. هذا الوضع يعقّد جهود التهدئة ويزيد من احتمالات سوء التقدير العسكري.
في المقابل، تواصل بعض العواصم الخليجية الدفع نحو خفض التصعيد عبر قنوات خلفية وعلنية، في ظل إدراك متزايد بأن أي انزلاق واسع سيحمل كلفة جماعية تفوق مكاسب الردود التكتيكية.
آفاق المرحلة المقبلة
المشهد الحالي يشير إلى توازن هش بين التصعيد والاحتواء. فاستمرار الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وتوسّع نطاق الردود الإيرانية، قد يدفع أطرافاً إضافية إلى الانخراط المباشر أو غير المباشر. وفي حال لم تُفعّل قنوات دبلوماسية فعالة خلال فترة قصيرة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من “الردع المتدحرج” حيث تتراكم الضربات المحدودة لتتحول إلى مواجهة مفتوحة.
تركيا، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تحاول تجنب هذا السيناريو عبر التحذير العلني من مخاطر الاستراتيجية الإيرانية، مع الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بمدى استعداد الأطراف المتصارعة للقبول بتسوية توقف منطق الضربات المتبادلة.
خلاصة
تحذير أنقرة من الضربات الإيرانية في الخليج يعكس قلقاً من تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، ويؤكد سعي تركيا لاحتواء التصعيد عبر الدبلوماسية. غير أن استمرار الردود المتبادلة يضع المنطقة أمام مفترق طرق بين التهدئة والانفجار الواسع.

