في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعوة صريحة إلى «إنهاء حمام الدم» المشتعل في الشرق الأوسط، معلناً استعداد بلاده لتكثيف جهود الوساطة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وجاءت تصريحات أردوغان خلال مأدبة إفطار رمضانية في أنقرة أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية، حيث شدد على أن تركيا «تقف إلى جانب السلام»، وترغب في أن تتوقف الدموع في المنطقة التي «تنتظر سلاماً دائماً منذ سنوات». وأكد أن أنقرة لا تريد حرباً أو صراعاً مع جيرانها، خصوصاً في شهر رمضان، في إشارة ذات دلالة رمزية إلى البعد الديني والإنساني للأزمة.
موقف سياسي معقّد: إدانة للضربات وحفاظ على قنوات الاتصال
على الرغم من العلاقات الشخصية التي تربط أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي شهدت محطات من التعاون رغم الخلافات، فإن الرئيس التركي وصف الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي نُفذت السبت بأنها «غير قانونية». تلك الضربات، التي استهدفت مواقع قيادية في إيران وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من قيادات الجمهورية الإسلامية، كانت الشرارة التي فجّرت موجة تصعيد عسكري غير مسبوقة في المنطقة.
إدانة أنقرة للضربات لا تعني انحيازاً كاملاً لطهران، بقدر ما تعكس تمسكها بخطاب قانوني يرفض العمليات العسكرية الأحادية خارج أطر الشرعية الدولية. وفي الوقت ذاته، حرص أردوغان على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع واشنطن، مستنداً إلى موقع تركيا كعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي، وإلى دورها التقليدي كوسيط محتمل بين الشرق والغرب.
الحداد على خامنئي ورسائل إلى الداخل الإيراني
عبّر أردوغان عن حزنه لمقتل خامنئي، في خطوة حملت بعداً سياسياً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فتركيا، ذات الغالبية السنية، تحرص على إدارة علاقة براغماتية مع إيران الشيعية، قائمة على التنافس الإقليمي من جهة، والتعاون الاقتصادي والأمني من جهة أخرى.
إعلان الحداد السياسي يهدف إلى تجنب أي سوء فهم استراتيجي مع طهران، خاصة في ظل توتر حدودي محتمل. فتركيا تتشارك مع إيران حدوداً تمتد لنحو خمسمئة كيلومتر، ما يجعل أي انفجار عسكري واسع النطاق مصدر تهديد مباشر لأمنها القومي، سواء عبر تدفقات لاجئين محتملة أو نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود.
تداعيات الرد الإيراني وحسابات أنقرة الأمنية
عقب الضربات، أطلقت إيران موجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه إسرائيل، كما حاولت استهداف مواقع في العراق والأردن ودول خليجية تضم أصولاً وقواعد أميركية. هذا التوسع في نطاق الرد يعكس رغبة طهران في تدويل كلفة المواجهة وإيصال رسالة ردع متعددة الجبهات.
حتى الآن، لم تكن تركيا ضمن بنك الأهداف الإيرانية، وهو ما يعكس حرصاً متبادلاً على إبقاء العلاقات الثنائية خارج دائرة المواجهة المباشرة. غير أن استمرار التصعيد قد يضع أنقرة أمام اختبارات صعبة، خاصة إذا طُلب منها تسهيلات عسكرية في إطار التزاماتها الأطلسية، أو إذا تعرضت مصالحها الإقليمية لتهديد مباشر.
بين الوساطة والطموح الإقليمي
تعهد أردوغان بتكثيف الاتصالات «على جميع المستويات» حتى التوصل إلى وقف إطلاق نار واستعادة الهدوء. هذه الصيغة تعكس تحركاً دبلوماسياً يشمل قنوات سياسية وأمنية وربما استخباراتية، في محاولة لإعادة تموضع تركيا كقوة توازن إقليمية.
من الناحية التحليلية، ترى أنقرة في الأزمة فرصة لإعادة تثبيت دورها كلاعب لا غنى عنه في معادلة الأمن الإقليمي، خصوصاً بعد سنوات من التوتر مع بعض العواصم الغربية. كما أن نجاح وساطة محتملة سيمنحها أوراق قوة إضافية في ملفات أخرى، من شرق المتوسط إلى سوريا والعراق.
المشهد الأوسع: مخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة
التطورات الأخيرة تضع المنطقة أمام احتمالين متناقضين: إما احتواء التصعيد عبر تفاهمات سريعة تقود إلى وقف إطلاق نار، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع قد تشمل أطرافاً إقليمية ودولية إضافية.
في هذا السياق، يبرز الموقف التركي بوصفه محاولة لقطع الطريق على سيناريو الحرب الشاملة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع واشنطن، وحساسياتها تجاه طهران، وانتقاداتها التقليدية لإسرائيل.
الخلاصة
تحاول أنقرة التموقع كوسيط إقليمي في مواجهة حرب تهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، مع إدانة واضحة للضربات الأميركية-الإسرائيلية. رهان أردوغان يقوم على احتواء التصعيد دبلوماسياً قبل أن تتحول الحدود التركية نفسها إلى خط تماس جديد في صراع مفتوح.

