في مقاله بموقع (TR724) الإخباري التركي، يرى الكاتب التركي الخبير في العلاقات الدولية محمود آقبينار أن العمل الاستخباراتي، في تعريفه الكلاسيكي، يقوم على جمع المعلومات عن خصوم الدولة وتطوير سياسات وقائية لحماية الأمن القومي. غير أن هذا الدور التقليدي تغيّر جذريًا مع نشوء الدولة الحديثة وتضخم أجهزتها الأمنية، إذ تحولت مؤسسات الاستخبارات إلى هياكل ضخمة تتحكم في موارد بشرية وتقنية هائلة وتدير ميزانيات سرية، غالبًا خارج رقابة برلمانية فعالة.
ويؤكد آقبينار أن الخلل لا يكمن في وجود أجهزة استخبارات بحد ذاته، بل في غياب آليات التوازن والرقابة. ففي الأنظمة التي تضعف فيها المحاسبة، تتحول هذه الأجهزة من أدوات حماية إلى أدوات ضبط داخلي، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتتبّع المعارضين، وإعادة تشكيل الحقل السياسي بما يخدم بقاء السلطة.
التجربة التركية: من وصاية عسكرية إلى مركزية رئاسية
في الحالة التركية، يشير آقبينار إلى أن جهاز الاستخبارات الوطني التركي ظلّ لسنوات طويلة مرتبطًا بالمؤسسة العسكرية، وكان رؤساؤه يُختارون غالبًا من خلفية عسكرية، في إطار منظومة وصاية لعبت فيها القوات المسلحة دورًا مركزيًا في توجيه الحياة السياسية.
مع مرحلة الرئيس الراحل طرغوت أوزال بدأت عملية “تمدين” نسبي للجهاز، لكن التحول الأكبر – بحسب آقبينار – جاء في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث أُعيدت هيكلة الجهاز ليصبح أكثر التصاقًا بالمركز التنفيذي، مع توسع صلاحياته الخارجية والداخلية.
ويعتبر آقبينار أن أحداث ما يسمى “محاولة الانقلاب الفاشلة” الغامضة في عام 2016 شكّلت نقطة مفصلية، إذ أُعيد ترتيب بنية الدولة الأمنية، وتعززت مركزية القرار، وتوسعت صلاحيات الأجهزة تحت عنوان مكافحة التهديدات. ويرى أن تلك اللحظة مثّلت انتقالًا من توازن مؤسساتي هش إلى نموذج أقرب إلى “دولة المخابرات”، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية على السياسة المدنية.
سوابق تاريخية: حين تُستخدم العمليات السرية لإعادة تشكيل الداخل
يستحضر آقبينار سلسلة من الوقائع التاريخية التي يرى أنها تكشف توظيف العمليات الاستخباراتية في الصراع الداخلي، من أحداث الشيخ سعيد إلى واقعة “منمن”، وصولًا إلى حادثة السادس والسابع من أيلول في إسطنبول عام 1955، حين أدى خبر تفجير منزل مصطفى كمال أتاتورك في سالونيك إلى موجة اعتداءات واسعة على ممتلكات الأقليات. وقد أقرّ مسؤولون لاحقًا بوجود أبعاد استخباراتية في إدارة الحدث.
كما يشير إلى مرحلة الاستقطاب الحاد قبل انقلاب 1980، حيث كشفت شهادات لاحقة عن دور شبكات مرتبطة بالبنية الأطلسية في تغذية العنف بين اليمين واليسار. ويستعيد هنا روايات رئيس الوزراء الأسبق بولند أجاويد “اليساري” حول اكتشافه وجود “دائرة الحرب الخاصة” وتمويلها الخارجي (الأمريكي) لسنوات.
هذه الأمثلة، في نظر آقبينار، تؤكد أن العمليات السرية ليست دائمًا موجهة للخارج، بل قد تُستخدم لإعادة هندسة التوازنات الداخلية.
التكنولوجيا: مضاعفة غير مسبوقة للقدرات
يؤكد آقبينار أن الثورة الرقمية قلبت موازين القوة بين الدولة والفرد. فبفضل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والرقابة الإلكترونية العابرة للحدود، أصبحت الأجهزة قادرة على تتبع أنماط السلوك والتواصل والحركة بدقة غير مسبوقة.
ويشير إلى أن أجهزة ذات تأثير عالمي مثل CIA وMossad تعمل في بيئة تتكامل فيها شركات التكنولوجيا العملاقة مع الهياكل الأمنية، سواء عبر تعاون مباشر أو من خلال أطر قانونية تسمح بالحصول على البيانات. وبهذا المعنى، لم يعد المجال الرقمي فضاءً خاصًا، بل ساحة مفتوحة للاستخبارات.
الإفلات من الرقابة: ثغرات القانون وحدود الجغرافيا
حتى في الأنظمة الديمقراطية، يرى آقبينار أن الرقابة البرلمانية غالبًا ما تبقى شكلية. فالعمليات تُنظَّم أحيانًا خارج الحدود لتفادي القيود القانونية المحلية، أو تُصنَّف تحت بند “الأمن القومي” بما يحجبها عن المساءلة.
ويستشهد بملفات مثيرة للجدل مثل قضية جفري إبستين التي كشفت، بحسبه، إمكانية استغلال شبكات نفوذ عابرة للدول في ابتزاز صناع القرار. كما يذكّر بتجربة غزو العراق، حين بُنيت مبررات التدخل على معلومات حول أسلحة دمار شامل تبيّن لاحقًا عدم دقتها، وهي مسألة أقرّ بها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
ويضيف أن أحداث الحادي عشر من أيلول شكّلت بدورها نقطة تحول كبرى، إذ استُخدمت ذريعة لإعادة رسم خرائط سياسية في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، وسط جدل واسع داخل الولايات المتحدة نفسها حول أوجه القصور الاستخباراتي أو احتمالات التلاعب بالمعلومات.
الإعلام والسياسة: حين يصبح السرد جزءًا من العملية
ينبه آقبينار إلى أن أخطر ما في العمليات السرية ليس تنفيذها فحسب، بل تسويقها. فبعض الصحفيين أو الساسة قد يتحولون – بقصد أو بغير قصد – إلى ناقلين لروايات غير مدققة تُقدَّم للجمهور كحقائق مكتملة.
ويضرب مثالًا بمواقف صدرت بعد محاولة الانقلاب في تركيا، حيث جرى ترويج سرديات رسمية في الخارج دون تمحيص كافٍ في ادعاءات التعذيب أو الانتهاكات. ويرى أن غياب معارضة برلمانية قوية قادرة على مساءلة الأجهزة يعمّق الخلل المؤسسي.
المخاطر العالمية: نحو فوضى غير مرئية
في ضوء هذا المشهد، يحذر آقبينار من أن تزايد العمليات السرية غير الخاضعة للرقابة قد يقود إلى أزمات كبرى. فالتلاعب بالمعلومات، وإدارة الصراعات عبر الوكلاء، والتأثير على الرأي العام بوسائل رقمية، كلها أدوات يمكن أن تشعل نزاعات واسعة دون إعلان حرب تقليدية.
ويعتبر أن احتمال انزلاق العالم إلى صدامات أوسع لا يرتبط فقط بالصراعات المعلنة، بل أيضًا بسلسلة من العمليات الخفية التي قد تخرج عن السيطرة.
الحاجة إلى يقظة مؤسسية ومجتمعية
يخلص آقبينار إلى أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تكون فردية. فالمبادرات الصحفية الشجاعة، وإن كانت ضرورية، تبقى محدودة الأثر في مواجهة أجهزة تمتلك موارد ضخمة. المطلوب، برأيه، دور أكثر فاعلية للبرلمانات، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والإعلام المستقل، من أجل فرض رقابة حقيقية على الأجهزة السرية، ومنع توظيفها في صراعات داخلية أو مغامرات خارجية.
ويرى أن استعادة التوازن بين الأمن والحرية شرط أساسي لحماية المجتمعات من الانزلاق نحو أنماط حكم تُدار خلف الستار.
الخلاصة
الاستخبارات ضرورة لحماية الدول، لكنها تتحول إلى خطر حين تنفلت من الرقابة وتغدو أداة لإعادة تشكيل السياسة والمجتمع. ضبط هذا التوازن بات شرطًا ملحًا لتفادي أزمات أعمق قد تهدد الاستقرار العالمي.

