تكشف أحدث معطيات سوق العمل في تركيا عن صورة مزدوجة تجمع بين تراجع طفيف في بعض المؤشرات الرسمية واستمرار ضغوط عميقة على بنية التوظيف. فمعدل البطالة وفق التعريف الواسع بلغ في نهاية العام نحو ثمانية وعشرين فاصل ستة في المائة، مسجلًا انخفاضًا محدودًا مقارنة بالشهر السابق، من دون أن يعكس ذلك تحولًا جوهريًا في واقع سوق العمل.
هذا المؤشر، الذي يُعد أكثر شمولًا، لا يقتصر على العاطلين عن العمل بالمعنى التقليدي، بل يشمل أيضًا فئات فقدت الأمل في البحث عن وظيفة، وأخرى مستعدة للعمل لكنها لا تبحث بنشاط، إضافة إلى العمالة الموسمية ومن يعانون من نقص ساعات العمل. ورغم تراجعه النسبي عن الشهر الذي سبقه، بقي عند مستويات تعكس اتساع فجوة التوظيف الحقيقية.
تحسن ظاهري في البطالة الضيقة
في المقابل، أظهرت البيانات الرسمية انخفاضًا ملحوظًا في عدد العاطلين وفق التعريف الضيق، وهو المقياس الذي يعتمد على من هم في سن العمل، غير العاملين، والباحثين بفاعلية عن وظيفة خلال الأسابيع الماضية، والقادرين على البدء فورًا. فقد تراجع عدد هؤلاء بمئات الآلاف خلال شهر واحد، لينخفض المعدل إلى أقل من ثمانية في المائة، في تطور يُقدم على أنه تحسن في سوق العمل.
غير أن هذا الانخفاض يتزامن مع تقلص القوة العاملة نفسها، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان ناتجًا عن خلق فرص عمل جديدة أم عن خروج فئات إضافية من سوق العمل.
انكماش التوظيف وتراجع المشاركة الاقتصادية
على مستوى التوظيف، سجل عدد العاملين انخفاضًا بعشرات الآلاف مقارنة بالشهر السابق، ليستقر إجمالي عدد المشتغلين عند ما يزيد قليلًا على اثنين وثلاثين مليونًا ونصف المليون. وبلغ معدل التوظيف أقل من نصف السكان في سن العمل، مع تفاوت حاد بين الجنسين؛ إذ تجاوز المعدل لدى الرجال ثلثي الفئة العمرية المعنية، بينما بقي منخفضًا بصورة واضحة لدى النساء.
وفي الوقت نفسه، تقلص حجم القوة العاملة بأكثر من ثلاثمائة ألف شخص خلال شهر واحد، ما أدى إلى تراجع معدل المشاركة الاقتصادية إلى ما يزيد بقليل على ثلاثة وخمسين في المائة. هذا الانخفاض يعكس استمرار خروج أفراد من سوق العمل، سواء بفعل الإحباط، أو ضعف الفرص، أو التحول إلى أنماط عمل غير مستقرة وغير مسجلة.
جدل حول مصداقية الأرقام الرسمية
رغم أن المؤشرات الرسمية تُظهر تحسنًا نسبيًا في معدلات البطالة، فإن هذه البيانات لا تمر دون تشكيك واسع. إذ تواجه الإحصاءات الرسمية منذ سنوات انتقادات تتهمها بعدم عكس الحجم الفعلي للبطالة والتضخم، وبالتركيز على تعريفات ضيقة قد تخفف من حدة الصورة العامة للأوضاع الاقتصادية.
ويرى منتقدون أن التراجع في البطالة الضيقة لا يمكن فصله عن تقلص القوة العاملة، ما يجعل البطالة الواسعة مؤشرًا أكثر تعبيرًا عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ قدرة الاقتصاد على توليد وظائف مستقرة.
سياق اقتصادي ضاغط وآفاق غير محسومة
تأتي هذه التطورات في سياق اقتصادي يتسم بتحديات مركبة، تشمل ضغوط التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وتباطؤ النمو في بعض القطاعات الإنتاجية. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أي تحسن في مؤشرات البطالة يظل هشًا ما لم يُترجم إلى توسع فعلي ومستدام في فرص العمل، وارتفاع حقيقي في معدلات المشاركة الاقتصادية.
الخلاصة
تعكس بيانات سوق العمل في تركيا تراجعًا محدودًا في البطالة الرسمية، يقابله استمرار مرتفع للبطالة الشاملة وانكماش في القوة العاملة. وبين التحسن الظاهري والواقع الأوسع، تبقى فعالية السياسات الاقتصادية في خلق وظائف مستقرة هي العامل الحاسم.

