شهدت تركيا خلال الأسبوعين الماضيين سلسلة عمليات أمنية واسعة النطاق أسفرت عن توقيف عشرات الأشخاص بتهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بحركة كولن.
وأعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا أن عدد الموقوفين بلغ سبعة وسبعين شخصًا، أُودع ثلاثة وأربعون منهم السجن بانتظار المحاكمة، في حين يخضع الباقون لإجراءات قضائية متفاوتة.
العمليات نُفذت بشكل متزامن من قبل وحدات الدرك في عدد كبير من الولايات، من بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا وبورصة ودياربكر، ما يعكس اتساع الرقعة الجغرافية للحملة واستمرارها على مستوى البلاد.
اتهامات تنظيمية ومالية وإعلامية
وفق الرواية الرسمية، تُوجَّه للموقوفين اتهامات بالعمل ضمن ما تصفه السلطات بـ«الهيكل الحالي» لحركة كولن، والحفاظ على قنوات اتصال تنظيمية عبر الهواتف العمومية، إضافة إلى تقديم دعم مالي من خلال شركات يُعتقد أنها مرتبطة بالشبكة، والمشاركة في نشر محتوى دعائي للحركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعتبر هذه الاتهامات امتدادًا لنمط قضائي وأمني معتمد منذ سنوات في التعامل مع الحركة، يشمل الجوانب التنظيمية والمالية والإعلامية على حد سواء.
ملف “الهواتف العمومية”: آلية مثيرة للجدل
تستند نسبة كبيرة من القضايا المرتبطة بحركة الخدمة إلى ما يُعرف بـ«تحقيقات الهواتف العمومية»، وهي آلية تعتمد على تحليل سجلات المكالمات دون الاطلاع على مضمونها. وبحسب الادعاء العام، فإن أحد أعضاء الحركة كان يستخدم هاتفًا عموميًا واحدًا للاتصال بأشخاص يُفترض أنهم ضمن الشبكة، بشكل متتالٍ.
وبناء على هذا الافتراض، تُدرج أرقام الهواتف التي جرى الاتصال بها قبل أو بعد مكالمة شخص مصنف كعضو في الحركة ضمن دائرة الاشتباه، رغم عدم توفر تسجيلات صوتية أو محتوى للمكالمات، وهو ما يجعل قرينة الاتهام قائمة على تسلسل الاتصالات لا مضمونها.
جذور الصراع: من تحقيقات الفساد إلى تصنيف “الإرهاب”
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى نهاية عام 2013، حين طالت تحقيقات فساد مسؤولين بارزين وشخصيات من الدائرة المقربة للرئيس رجب طيب أردوغان. وقد اعتبر أردوغان تلك التحقيقات محاولة انقلاب قضائي دبرتها الحركة، لينتقل الصراع بعدها إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.
في السنوات اللاحقة، صعّدت الحكومة من إجراءاتها ضد الحركة، وصولًا إلى تصنيفها منظمة إرهابية في منتصف العقد الماضي، ثم توسعت الحملة بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، التي اتهمت أنقرة غولن بالوقوف خلفها.
نفي مستمر وحملة ممتدة داخليًا وخارجيًا
في المقابل، ينفي فتح الله كولن، الذي توفي لاحقًا في منفاه، وأتباعه أي صلة بمحاولة الانقلاب أو أي نشاط إرهابي، ويؤكدون أن الحركة كانت هدفًا لحملة سياسية وأمنية شاملة. ورغم ذلك، استمرت الملاحقات داخل تركيا، كما امتدت إلى الخارج عبر طلبات توقيف وتسليم، وعمليات ترحيل بحق مشتبه بانتمائهم للحركة من دول مختلفة.
أرقام تكشف حجم الحملة القضائية
تعكس البيانات القضائية حجم الاستهداف الواسع للحركة خلال ما يقارب عقدًا من الزمن، إذ صدرت أحكام إدانة بحق أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص بتهم تتعلق بالانتماء أو الدعم، ولا يزال أكثر من أحد عشر ألفًا منهم خلف القضبان.
في الوقت نفسه، تتواصل الإجراءات القانونية بحق عشرات الآلاف، حيث تخضع ملفات أكثر من أربعة وعشرين ألف شخص للمحاكم، بينما لا يزال نحو ثمانية وخمسين ألفًا قيد التحقيق النشط، في مؤشر على أن الملف لم يُغلق بعد.
الهجرة القسرية وتداعيات اجتماعية
إلى جانب الاعتقالات والأحكام، دفعت الحملة الأمنية آلافًا من المنتمين أو المتهمين بالانتماء إلى الحركة إلى مغادرة تركيا تفاديًا للتوقيف، ما أدى إلى موجات لجوء سياسي أثرت على البنية الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لشريحة واسعة من المجتمع التركي.
خلاصة
تؤكد الاعتقالات الأخيرة أن ملف حركة كولن ما زال حاضرًا بقوة في السياسات الأمنية والقضائية التركية، وأن المواجهة مع الحركة لم تنته رغم مرور سنوات على ذروة الصراع. وبين الرواية الرسمية ونفي الحركة، يستمر الجدل حول المعايير القانونية وحدود المحاسبة الجماعية.

