شهدت الصناعات الدفاعية التركية محطة مفصلية مع إعلان نجاح الطائرة القتالية المسيّرة “قزيل ألما” في تنفيذ أول ضربة جو–جو باستخدام صاروخ موجه بالرادار من خارج نطاق الرؤية، في اختبار جرى فوق البحر الأسود.
ويعد الحدث مؤشراً على تغيير موازين القوة في مجال الطائرات غير المأهولة، ويعكس تقدماً تقنياً متسارعاً لتركيا في منظومات القتال المستقبلي.
رصد مستقل وضربة دقيقة خارج خط البصر
أعلنت الشركة المطوّرة أن الطائرة تمكّنت من اكتشاف هدف طائر يعمل بمحرك نفاث، وتعقبه، ثم تدميره اعتماداً على رادارها المحلي الصنع دون تدخل مباشر من المشغل ودون الحاجة إلى الاتصال البصري. ويمثل هذا الإنجاز مرحلة جديدة في تطور الطائرات القتالية غير المأهولة، حيث لم يسبق أن نفذت منصة مسيّرة ضربة جو–جو موجهة رادارياً من هذا النوع بشكل مستقل تماماً.
العملية اعتمدت على رادار “موراد 100-A” ذو مصفوفة المسح الإلكتروني النشط، وهو تطوير محلي لشركة الصناعات الإلكترونية الدفاعية التركية. كما استخدمت “قزيل ألما”صاروخ “غوك دوغان” بعيد المدى، المنتج من معهد أبحاث الصناعات الدفاعية، الذي أصاب هدفه بدقة تامة وفق البيانات الرسمية.
دمج الأنظمة المحلية في منظومة قتالية متكاملة
أشارت الشركة إلى أن جميع مكونات الاختبار، من الطائرة إلى الرادار والصاروخ ومنظومات التتبع، جاءت من تصنيع محلي كامل، في تأكيد على القدرة التركية على بناء سلسلة دفاعية مكتملة دون الاعتماد على الموردين الخارجيين.
وتزامنت العملية مع تحليق تشكيل مشترك شمل خمس مقاتلات “إف–16” رافقت المسيّرة في المهمة، بينما قامت مسيّرة “أقنجي” بتوثيق المشهد، في خطوة تبرز انتقال تركيا إلى مرحلة دمج الطائرات المأهولة وغير المأهولة ضمن شبكة عمليات جوية واحدة.
وكان المدير التقني للشركة، سلجوق بيرقدار، على متن إحدى المقاتلات المشاركة في المهمة، إلى جانب قادة ومسؤولين من شركات الدفاع التركية وذلك في مؤشر إلى أهمية الاختبار على مستوى المؤسسة العسكرية والصناعة الدفاعية.
رؤية استراتيجية لتطوير القتال الجوي
تُعتبر “قزيل ألما” أول طائرة قتالية تركية تعمل بمحرك نفاث وبخفض بصمة رصدها الراداري، ما يجعلها مرشحة لأداء مهام حماية الأجواء ومرافقة المقاتلات في الاشتباكات الجوية. ومنذ أولى رحلاتها نهاية عام 2022، تخضع الطائرة لسلسلة من الاختبارات المتقدمة، وتُعد علامة على دخول تركيا سباق تطوير الطائرات القتالية من الجيل الجديد.
ويعمل المصممون على تكييفها مع متطلبات الحرب الشبكية التي تعتمد على الدمج بين الذكاء الاصطناعي، والاشتباك عن بعد، والتنسيق مع المقاتلات التقليدية. كما أن نجاح الاختبار الأخير يفتح الباب أمام تطوير ذخائر جو–جو جديدة مخصصة للطائرات غير المأهولة.
سباق متسارع في تكنولوجيا المسيّرات القتالية
تأتي هذه الخطوة في وقت تتنافس فيه عدة دول على تطوير طائرات قتالية مسيّرة قادرة على أداء مهام كانت حكراً على المقاتلات المأهولة. وتعزز تركيا بهذا الإنجاز موقعها كأحد أبرز المنتجين في سوق المسيّرات العالمية، خاصة بعد توسع استخدام مسيّرات “تي بي 2″ و”أقنجي” في عدة نزاعات.
كما ينسجم هذا التطور مع توجه أنقرة نحو تعزيز استقلالها الدفاعي وزيادة قدراتها في مجال الصناعات المتقدمة، خصوصاً مع تصاعد التوترات الإقليمية وتوسع الطلب على الطائرات المسيّرة في العمليات الجوية الحديثة.

