عاد الملف الكردي إلى صدارة المشهد التركي بعد تصريحات متبادلة بين مسؤولين أتراك وقيادات في قوات سوريا الديمقراطية، في وقت تشهد فيه تركيا حراكًا سياسيًا داخليًا نادرًا يتعلق بالسماح لنواب أتراك بزيارة عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي لأول مرة منذ سنوات.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة تتقاطع فيها الملفات السورية والأمنية والسياسية داخل تركيا.
الموقف التركي: لا زيارة قبل التخلي عن السلاح
رفضت القيادة السياسية التركية طلب مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، زيارة سجن إمرالي لإجراء محادثات مع عبدالله أوجلان، معتبرة أن أي نقاش حول المستقبل السياسي للمنطقة لا يمكن أن يبدأ ما لم تتخلَّ “قسد” عن سلاحها بشكل كامل.
وجاء الموقف على لسان المتحدث باسم الحزب الحاكم عمر جليك الذي شدد على أن أنقرة “تنظر إلى الأفعال لا التصريحات”، وأن المخاوف الأمنية التركية “غير قابلة للمساومة أو التأجيل”. ويعكس هذا الخطاب موقفًا موحدًا بين الحكومة والحزب الحاكم، في ظل تراجع الفواصل التقليدية بين مؤسسات الدولة وهياكل السلطة الحزبية خلال العقد الأخير.
طلب عبدِي: حوار مباشر وإطار تفاوضي واسع
مظلوم عبدي أكد في مقابلة حديثة أن قواته تبقي قنوات اتصال غير رسمية مفتوحة مع تركيا، وأنه يرغب في تطويرها إلى آلية شفافة ومنتظمة. ويرى أن معالجة قضايا معقدة مثل مستقبل القوات الكردية، والإدارة الذاتية، وحقول النفط، تتطلب حوارًا سياسيًا يشمل شخصيات محورية لديها تأثير عميق داخل الحركات الكردية، وفي مقدمتهم عبد الله أوجلان.
كما شدد على أن تسوية الأوضاع في شمال شرق سوريا تحتاج إلى إطار ثلاثي يجمع القنوات الكردية مع كل من أنقرة ودمشق، في محاولة لصياغة ترتيبات أمنية وسياسية تقلل من احتمالات التصعيد.
الانعكاسات الأمنية: “قسد” بين واشنطن وأنقرة
قوات سوريا الديمقراطية تعد الشريك الأبرز للولايات المتحدة في عمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرق سوريا، إلا أن تركيا تعتبرها الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف كتنظيم إرهابي لديها ولدى العديد من الدول الغربية. هذا التباين في التوصيف يضع “قسد” في موقع حساس بين حليف دولي يوفر لها الغطاء والتمويل، ودولة جوار ترى فيها تهديدًا مباشرًا على حدودها الجنوبية.
وترى أنقرة أن أي مسار سياسي يتعلق بالملف الكردي داخل تركيا أو خارجها يجب أن يشمل نزع سلاح كل الجماعات المرتبطة بحزب العمال، بما في ذلك وحدات حماية الشعب والقوات التابعة لـ“قسد”.
زيارة إمرالي: مبادرة سياسية لخفض التوتر
شهدت الأيام الماضية تطورًا مفاجئًا تمثل في السماح لنواب من ثلاثة أحزاب تركية بزيارة عبد الله أوجلان داخل سجنه، في خطوة أعادت إلى الأذهان محطات “مسار الحل” الذي انهار قبل سنوات. وتؤكد مصادر سياسية في أنقرة أن الدعوات الموجهة للجماعات المسلحة بالتخلي عن السلاح تشمل أيضًا القوات المنضوية ضمن “قسد”، ما يعني أن الملف السوري بات جزءًا من أي محاولة مستقبلية لإنهاء الصراع الممتد داخل تركيا.

