تتصاعد في تركيا مناقشات حادة حول قرار إرسال وفد برلماني إلى سجن إمرالي للقاء عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الذي لا يزال يصنف إرهابيا رسميا، وسط جدل سياسي واسع حول أبعاد الخطوة ودلالاتها.
وتثير الزيارة المرتقبة أسئلة حساسة حول موقع أردوغان، وحدود نفوذ حزب الحركة القومية، ودور حزب العدالة والتنمية في تسويق الزيارة انتخابيًا، إضافة إلى ما إذا كانت هذه التطورات تؤسس لتحالفات جديدة أو تعكس مأزقًا سياسيًا داخليًا.
ملابسات تشكيل الوفد ما بين ضغوط قومية وحسابات انتخابية
تشكل الوفد استجابة لطلب مباشر من أوجلان، ثم إعلان من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي، وضغوط من حزب الحركة القومية، قبل أن يمنح حزب العدالة والتنمية موافقته الصامتة. شارك العدالة والتنمية والحركة القومية والحزب الكردي في التصويت لصالح تشكيل الوفد، فيما امتنع حزب الشعب الجمهوري عن المشاركة، بينما عارضت الخطوة أحزاب أخرى.
قلق واضح داخل التحالف الحاكم
تتعامل قيادة العدالة والتنمية مع الملف بقدر من التحفظ، لعلمها بحساسيته المجتمعية، ولخشيتها من ارتدادات سياسية على الشارع المحافظ والقومي. الإعلام الموالي للحكومة اختار التعتيم على الحدث، رغم اعتباره إحدى أكثر الخطوات حساسية في المشهد السياسي بعد انتخابات البلديات الأخيرة وتراجع شعبية السلطة.
ملامح تقارب ثلاثي بين أردوغان وبهجلي والحزب الكردي
تشير التطورات الراهنة إلى أن أردوغان يستثمر خطوة إمرالي في حسابات إعادة ترشحه وتهيئة بيئة سياسية أكثر قابلية لضمان استمرار سلطته. ويستشهد مراقبون بتصريحاته السابقة في كزِلجا حمام التي ألمح فيها إلى إمكانية بناء صيغة تعاون ثلاثي بين العدالة والتنمية والحركة القومية والحزب الكردي، بما يتجاوز الخطوط التقليدية للتحالفات.
ورغم اعتراضات الحركة القومية في الظاهر، إلا أن موقفها من الزيارة يوحي بترتيبات أعمق داخل الدولة العميقة، مدفوعة برغبة في ضبط المسار الكردي وإعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف.
أوجلان بين “الصفة التفاوضية” والرمزية السياسية
يُنظر إلى الزيارة باعتبارها تكريسًا لوضع سياسي جديد لأوجلان، بعدما وُصِف خلال الأشهر الماضية بأنه “المفاوض الرئيسي”. ورغم عدم إقرار الحكومة بذلك علنًا، فإن إحجامها عن الاعتراض يعكس قبولًا ضمنيًا بالصفة التي رُوِّج لها داخل الأوساط الكردية.
المشهد المتوقع: لقاء، وصور غير قابلة للنشر
من المرجح أن تجري اللقاءات داخل إمرالي دون نشر صور أو تسجيلات، نظرًا للحساسية البالغة للمشهد، حتى وإن كانت الصور ستُلتقط توثيقيًا. كما يُتوقع أن يطرح أعضاء الوفد أسئلة حول مستقبل السلاح، وما إذا كان أي وقف محتمل يشمل وحدات حماية الشعب في سوريا. غير أن التوقعات تشير إلى أن الجانب السياسي – لا الأمني – هو ما يهم أوجلان والحزب الكردي في هذه المرحلة.
دروس من التجارب الدولية: أين يقف النموذج التركي؟
تختلف تجربة تركيا عن حالات بريطانيا وإسبانيا، حيث لم يُجرِ القادة السياسيون لقاءات مباشرة مع قادة المنظمة المسلحة. اعتمدت تلك الدول على التفاوض عبر بيروقراطيين ومستشارين، حفاظًا على الحدود بين السلطة السياسية والجهات الفاعلة المسلحة. وعلى العكس من ذلك، تستعد تركيا لوضع نادر يتمثل في جلوس وفد تشريعي رسمي مع زعيم منظمة محظورة.
بين السلام والشرعية: هل كان إرسال الوفد ضرورة؟
يُميز العديد من المعلقين بين دعم مسار السلام من جهة، وانتقاد إرسال وفد برلماني إلى إمرالي من جهة أخرى. فالفكرة لا تتعلق بمناهضة الحوار، بل بجدوى الخطوة ودلالاتها السياسية؛ إذ يرى منتقدون أن الزيارة قد تمنح شرعية إضافية لأوجلان دون أن تحقق تقدمًا ملموسًا في مسار الحل.
لا يزال غياب الإصلاحات الديمقراطية والقانونية يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم. فبرغم مرور عام على تشكيل لجنة الحوار، لم تُعلن الحكومة عن أي خطة عمل واضحة، واكتفت بعقد جلسات استماع متكررة دون نتائج عملية.
ملف دميرطاش… عقدة الحلّ المؤجلة
تُعد قضية سجن صلاح الدين دميرطاش محورًا رئيسيًا في النقاش. فبقاء زعيم سياسي بارز خلف القضبان رغم قرارات المحكمة الأوروبية والمحكمة الدستورية العليا يعكس عمق الأزمة القانونية والسياسية. تصريحات قيادات من الحزب الكردي بشأن قرب الإفراج عنه لم تتحقق، وتظل أسئلة عديدة مطروحة حول سبب امتناع أردوغان عن رفع اعتراضه، ومدى ارتباط ذلك بموقف أوجلان أو حسابات التحالف الداخلي.
مواقف الحركة القومية: تناقض بين إمرالي وسيسليڤري
تثير تصريحات زعيم الحركة القومية التي تميز بين سجن إمرالي وسجن سيليفري انتقادات واسعة، خاصة مع وجود سياسيين وصحافيين معتقلين دون أحكام نهائية. وينطوي هذا الموقف على تناقض لافت في خطاب الحزب القومي، الذي يُظهر اهتمامًا خاصًا بملف إمرالي، مقابل تجاهل شبه تام لقضايا سجناء آخرين، بينهم شخصيات بارزة يعرف زعيم الحركة حقيقتها القانونية تمامًا.
تركيبة الوفد واحتمالات التوسّع
حدد البرلمان ثلاثة أسماء من ثلاثة أحزاب، مع احتمال ضم شخصية رابعة من أحد الأحزاب الصغيرة، في ظل غياب الشعب الجمهوري وحزب “الطريق الجديد”. ومع أن العدالة والتنمية يمتلك عددًا كبيرًا من النواب، إلا أنه لم يسع لزيادة حصته داخل الوفد، في إشارة إلى حساسية المشهد ورغبته في عدم الظهور كصاحب القرار الأول في خطوة مثيرة للجدل.
الساعة السياسية تدقّ… والزيارة مرجّحة خلال أيام
من المتوقع أن تتم الزيارة خلال هذا الأسبوع، ما لم تُستخدم مبررات فنية حول النقل البحري أو الأحوال الجوية. وتراقب الأوساط السياسية الموعد والتفاصيل عن كثب، باعتبارها نقطة تحوّل في علاقة الدولة بالملف الكردي، وفي مستقبل التحالفات داخل الحكم.

