بقلم: ياوز أجار
من يتأمل المشهد السياسي في تركيا اليوم يدرك أن ما يحدث ليس مجرد شدّ وجذب بين الرئيس أردوغان وحليفه القومي دولت بهجلي، ولا مجرد تنافس حزبي أو مناكفات انتخابية. نحن أمام صراع يقترب من أن يكون الفصل الأخير في معركة عمرها قرن كامل، بين الدولة التي تأسست عام 1923 بنواة بيروقراطية صلبة، وبين مجتمع يريد أن يجد طريقه إلى قلب السلطة، لا إلى هامشها. وفي قلب الصورة تقف “المسألة الكردية” بوصفها أكثر عقدة لا تزال تتحكم بمستقبل الجمهورية، وربما بمصير النظام كله.
منذ صعوده إلى السلطة، بدا أردوغان كزعيم قادم من خارج “النادي الجمهوري”؛ رجلٌ جاء من الأحياء الشعبية، يحمل معه جمهوراً صاعداً، ويرغب في إعادة ترتيب البيت السياسي بما يمنحه قدرة نفاذ حقيقية إلى مؤسسات الدولة. هذا وحده كان كافياً لإثارة هلع الدولة العميقة، التي تعاملت معه في بدايات حكمه باعتباره “طارئاً” يجب احتواؤه أو إزاحته. لذلك رأينا بيانات عسكرية، وأزمات دستورية، وقضايا أغلقت، وأخرى فُبركت من أجل عرقلة أردوغان وإغلاق حزبه العدالة والتنمية… قبل أن يصطدم الرجل لاحقاً حتى مع الكتلة البيروقراطية التي ساعدته على تجاوز تلك المرحلة من خلال محاكمات تنظيم “أرجنكون” التي طالت كبار رجال هذا الكيان من العسكريين والمدنيين.
ومع كل منعطف، كان أردوغان يربح جولة ويخسر أخرى. يهزم الوصاية العسكرية، ثم يتصادم مع حركة الخدمة. يحدّ من نفوذ البيروقراطية، ثم يجد نفسه محاصراً من جديد بتحالف قومي–أمني يتقدمه دولت بهجلي؛ الرجل الذي لا يملك كتلة شعبية تُذكر، لكنه يجلس في غرفة التحكم بكل هدوء. بهجلي ليس مجرد حليف… إنه “حارس الباب”. يمنح أردوغان القدرة على إدارة السلطة، لكنه يشرف على الدولة من خلف الستار، ويضمن أن تبقى ركائز 1923 للدولة في مأمن من أي تعديل جذري.
ولهذا يبدو الصدام الدستوري الأخير أشبه باختبار وجودي. فالدستور الجديد الذي يريده أردوغان ليس مشروعاً للتحول الديمقراطي بقدر ما هو محاولة لردم الهوة بين سلطته الفعلية وقدرته القانونية على التحكم بمفاصل الدولة. أما بالنسبة للبيروقراطية العميقة، فالأمر ليس دستوراً، بل هوية؛ لأن أي دستور يفتح الباب أمام تمثيل كردي حقيقي، أو يعيد تعريف الدولة على أسس أكثر مدنية وتحررية، يعني عملياً نهاية النظام الذي حكم البلاد طوال قرن.
وفي هذه اللحظة بالذات، يعيد بهجلي فتح “الباب الكردي”، ولكن ليس على طريقة أردوغان. يلعب بورقة عبد الله أوجلان، لا سعياً لحلّ المشكلة بقدر ما هو سعي لتطويق أردوغان ومنعه من قيادة أي مسار تاريخي يضع حداً لاحتكار الدولة العميقة. يريد الرجل أن يقول: “الحل يأتي عبر الدولة، لا عبر أردوغان”.
وإذ يتقدّم الأكراد نحو قلب اللعبة السياسية، لم يعد بالإمكان إعادتهم إلى الهامش بسهولة. فهم اليوم الكتلة الوحيدة القادرة على ترجيح الكفة في كل معادلة، من تشكيل الحكومات إلى كتابة الدساتير. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإثارة ذعر كل من يرى في صعودهم تهديداً لبنية “الدولة المركزية” التي ظلت تحكم تركيا منذ تأسيسها.
البلاد اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستمر نظام ما بعد 1923 بترميم نفسه عبر تحالف قومي–بيروقراطي محكَم، وإما أن ينجح أردوغان في فرض قراءة جديدة للعلاقة بين الشعب والدولة، وإما –وهذا احتمال يتزايد– أن ينتج الحراك الكردي مساراً ثالثاً يصوغ معادلة سياسية جديدة تتجاوز أردوغان وبهجلي معاً.
الحقيقة الوحيدة الثابتة أن تركيا دخلت مرحلة كُسر فيها الحاجز النفسي بين “الدولة” و”المجتمع”. ولم يعد بالإمكان حسم المستقبل عبر صناديق الاقتراع فقط، بل عبر الصراع على هوية الدولة نفسها، وعلى موقع الأكراد داخل هذا البناء. إنها معركة ليست بين رجال، بل بين نموذجين للحكم… ومعها يتحوّل التاريخ من الماضي إلى مستقبل يُكتب الآن.

