في تطور سياسي لافت، صوّت الناخبون في شمال قبرص لصالح المرشح طوفان أرهورمان، مما وضع نهاية لولاية الرئيس الحالي أرسين تتار، المدعوم بشكل مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
النتائج النهائية كشفت عن فوز ساحق لأرهورمان بنسبة تقارب ثلاثة وستين في المئة مقابل خمسة وثلاثين في المئة لتتار، في انتخابات وصفت بأنها استفتاء سياسي غير مباشر على النفوذ التركي في الجزيرة.
بهذا التصويت، وجهت القاعدة الشعبية في شمال قبرص رسالة واضحة بأن المزاج العام يميل نحو إعادة إحياء مسار المفاوضات الفيدرالية مع الجنوب القبرصي، في مقابل الرفض المتنامي لمقاربة “حل الدولتين” التي تروج لها أنقرة وتتبناها حكومة تتار السابقة.
خلفية الانقسام القبرصي والسياق التاريخي
تعود جذور الانقسام في جزيرة قبرص إلى عام 1974، حين تدخل الجيش التركي عسكريًا بعد انقلاب مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك.
أدى التدخل إلى تقسيم الجزيرة فعليًا إلى شطرين: شمال تركي أعلن لاحقًا قيام “جمهورية شمال قبرص التركية” عام 1983، وهي كيان لا تعترف به سوى تركيا، وجنوب يوناني يمثل جمهورية قبرص المعترف بها دوليًا وعضوًا في الاتحاد الأوروبي.
منذ ذلك الحين، ظلّ الصراع حول مستقبل الجزيرة قائمًا بين رؤيتين: حل الدولتين المستقلتين الذي تدعمه أنقرة، والحل الفيدرالي الموحد الذي يحظى بدعم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
أرهورمان بين الواقعية السياسية ومغازلة أنقرة
رغم فوزه الساحق، حرص الرئيس المنتخب طوفان أرهورمان في خطابه الأول بعد إعلان النتائج على إرسال رسائل طمأنة إلى أنقرة، مؤكدًا أنّه سيعمل بالتنسيق مع الجمهورية التركية في الملفات الخارجية الحساسة.
وقال أرهورمان إنّ “الشعب القبرصي التركي بأسره هو الفائز الحقيقي”، في إشارة إلى رغبته في تجاوز الانقسامات الداخلية وإعادة الاعتبار للمسار السياسي القائم على التفاوض لا المواجهة. لكن تصريحاته حملت أيضًا مؤشرات لاستقلالية نسبية في الموقف السياسي، خصوصًا عندما تحدث عن ضرورة استئناف المحادثات مع الجانب اليوناني القبرصي، في سياق يذكّر بمحاولات السلام التي رعتها الأمم المتحدة في سويسرا عام 2017، والتي انهارت آنذاك دون نتائج ملموسة.
موقف أنقرة بين الواقعية والرمزية
في أول رد فعل رسمي، هنأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس المنتخب عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنّ تركيا ستواصل الدفاع عن “الحقوق والمصالح السيادية” لشمال قبرص.
هذه التهنئة، التي جاءت بعد حملة دعم علنية لتتار، فسّرت في الأوساط السياسية على أنها مؤشر على قبول أنقرة بنتائج الانتخابات وتبنٍّ لموقف أكثر هدوءًا لتجنب تصعيد التوتر. لكنها أيضًا كشفت حدود التأثير التركي في القرار السياسي الداخلي للشمال القبرصي، إذ بدا واضحًا أن المجتمع المحلي بات أكثر ميلاً لتأكيد هويته الخاصة وموقفه المستقل داخل العلاقة المعقدة مع أنقرة.
انعكاسات سياسية أوسع
يرى محللون أنّ هذه النتائج تحمل أبعادًا رمزية تتجاوز حدود الجزيرة، إذ تعكس تراجع قدرة أنقرة على حشد التأييد الشعبي حتى في المناطق التي كانت تعدّ امتدادًا طبيعيًا لنفوذها السياسي.
كما أنّها قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازن السياسي بين الشمال القبرصي وتركيا، وربما تفرض على أنقرة مراجعة خطابها الخارجي الذي يقوم على فكرة الدولة القبرصية التركية المنفصلة.
على المستوى الدولي، من المتوقع أن تُعيد هذه النتائج إحياء الاهتمام بملف المفاوضات القبرصية تحت مظلة الأمم المتحدة، خاصة في ظل وصف اللقاء الأخير بين زعيمي الشطرين في نيويورك بأنه “بناء”، ما قد يشير إلى بداية حراك دبلوماسي جديد

