وجّه الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان رسالة إلى رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، دعا فيها إلى لعب دور قيادي في إعادة تفعيل مفاوضات السلام بين أنقرة والحركة الكردية، لإنهاء الصراع المسلح المستمر منذ أكثر من أربعة عقود.
الرسالة، التي أُرسلت قبل أيام، تضمنت تأكيد أوجلان أن مآلات هذه العملية لن تقتصر على تركيا وحدها، بل ستنعكس على العراق والإقليم الكردي أيضًا، داعيًا بارزاني إلى استثمار مكانته الإقليمية لتهيئة بيئة تفاوضية جديدة مع أنقرة.
لقاء بارزاني ـ أردوغان وتقاطعات الملف الكردي
جاءت هذه التطورات بالتزامن مع زيارة بارزاني لأنقرة ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان في السابع من أكتوبر، حيث تناول اللقاء بحسب مصادر كردية إطارًا قانونيًا محتملًا يسمح بعودة عناصر حزب العمال المقيمين في شمال العراق إلى تركيا بشروط محددة.
وفي اليوم التالي، انتقد بارزاني علنًا حزب العمال الكردستاني بسبب “عدم التزامه بتوجيهات أوجلان”، وهو ما أثار ردًا غاضبًا من قيادة الحزب التي رأت في تصريحاته محاولة للضغط السياسي تزامنًا مع المساعي التركية لإعادة هندسة الملف الكردي إقليميًا.
من وقف النار إلى نزع السلاح
تأتي الرسالة ضمن سلسلة من التحركات الرمزية التي شهدها العام الجاري، حيث دعا أوجلان في فبراير إلى حل الحزب ونزع السلاح بالكامل، تلاها إعلان الحزب وقفًا لإطلاق النار في مارس، قبل أن يعلن في مايو إنهاء حملته المسلحة.
وفي يوليو، أقيمت مراسم رمزية في إقليم كردستان العراق لتأكيد التخلي عن السلاح، وسط متابعة إقليمية ودولية حذرة، خاصة أن الحزب ما زال مصنفًا منظمة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
الارتباط بالملف السوري والتنسيق الأميركي
يربط مراقبون بين مسار السلام الداخلي في تركيا والتحركات المتزامنة في الملف السوري، إذ شهدت دمشق في اليوم نفسه لقاءً جمع مبعوثًا أميركيًا خاصًا بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف إعادة تفعيل إطار تفاهم تم التوصل إليه في مارس الماضي لدمج الإدارة الذاتية الكردية في هيكل الدولة السورية.
وتشير التسريبات إلى وجود اتفاق أولي حول دمج قوات سوريا الديمقراطية وأجهزتها الأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية، مع بقاء الخلافات حول قضايا الحوكمة واللامركزية.
حسابات أردوغان الدستورية والمطالب الكردية
تسعى الحكومة التركية من جانبها إلى كسب دعم الأحزاب الكردية في البرلمان لتمرير تعديلات دستورية قد تتيح للرئيس أردوغان الترشح مجددًا، بينما تربط القوى الكردية هذا الدعم بضمانات دستورية للحقوق الثقافية والسياسية، وإجراءات قانونية للإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلى جانب تحسين وضع أوجلان القانوني في سجنه بجزيرة إمرالي.
ويُعد ملف الزعيم الكردي السابق صلاح الدين دميرطاش، أحد أبرز رموز المعارضة الكردية المعتقلة، اختبارًا حاسمًا لمدى صدقية هذه الوعود الحكومية.
توتر برلماني وتصعيد في الخطاب السياسي
داخل البرلمان التركي، تصاعد الجدل هذا الأسبوع بعد أن هاجم زعيم حزب “الخير” القومي المعارض مساوات درويش أوغلو حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، واصفًا إياه بـ”الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني”، مستخدمًا لهجة شديدة ضد أوجلان ومؤيديه.
وردت المتحدثة باسم الحزب الكردي عائشة غول دوغا عبر وسائل التواصل الاجتماعي معتبرة أن “من يستفيد من الحرب يخشى السلام”، واصفة الاتهامات بأنها “محاولات لإبقاء النزاع مشتعلاً”.
خلال الجلسة البرلمانية نفسها، اتهم نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الخير تورهان جوميز نائبة رئيس البرلمان بيرفين بولدان بأنها “تنقل رسائل أوجلان” إلى الرأي العام، بعد تصريحاتها الأخيرة حول تغطية الإعلام لملف السلام.
بولدان ردّت من منصة البرلمان مؤكدة أن كل جهودها تهدف لتحقيق السلام الوطني، وأنها “لن تقبل الإهانة من أحد”. ونتيجة للتوتر، علّق رئيس الجلسة أعمال البرلمان مؤقتًا قبل استئنافها وسط استمرار التراشق اللفظي بين الطرفين.
الملامح العامة للمشهد
تكشف التطورات الأخيرة عن تجدد الحراك حول القضية الكردية في تركيا، لكن ضمن بيئة سياسية معقدة تتشابك فيها الحسابات الداخلية بالملفات الإقليمية، وخاصة في سوريا والعراق.
ويبدو أن أنقرة تسعى إلى إعادة ضبط توازن العلاقة مع الأطراف الكردية بما يخدم أجندتها الدستورية والسياسية، في حين يحاول أوجلان عبر وساطة بارزاني استعادة موقعه في المعادلة الكردية – التركية، في لحظة تتقاطع فيها فرص التسوية مع احتمالات التصعيد.

