بدأت في تركيا محاكمة مثيرة للجدل لرئيس بلدية إسطنبول المعزول والمعتقل، أكرم إمام أوغلو، بتهمة الحصول على شهادة جامعية بطريقة احتيالية، في قضية وصفت بأنها تحمل أبعادًا سياسية بالغة الخطورة على مستقبل المعارضة التركية.
الجلسة الأولى انعقدت الجمعة داخل محكمة بسجن سيليفري، حيث حضر إمام أوغلو محاطًا بعائلته وعدد من قيادات المعارضة وزملاء دراسته القدامى، وسط هتافات وتشجيع من أنصاره خارج القاعة.
اتهامات بالتلاعب وإلغاء الشهادة
إمام أوغلو يواجه تهمًا تصل عقوبتها إلى أكثر من ثماني سنوات سجن بالإضافة إلى حظر سياسي دائم، وذلك بعد أن ألغت جامعة إسطنبول في مارس الماضي شهادته الجامعية، بحجة وجود مخالفات في انتقاله عام 1990 من جامعة خاصة في شمال قبرص. القرار أثار احتجاجات طلابية واسعة واجهتها الشرطة بقمع شديد، في وقت تعتبر فيه الشهادة الجامعية شرطًا قانونيًا للتقدم إلى الانتخابات الرئاسية.
اتهامات سياسية متبادلة
في مداخلته الافتتاحية أمام المحكمة، وجّه إمام أوغلو اتهامًا مباشرًا للرئيس رجب طيب أردوغان بالوقوف وراء القضية، قائلًا: “لم يكتب المدعي العام هذا القرار الاتهامي، بل الشخص الذي يعلم أنني سأهزمه في الانتخابات المقبلة”. تصريحات اعتُبرت تحديًا صريحًا للنظام الحاكم، خاصة وأن أردوغان نفسه ظل يواجه على مدار سنوات شائعات بشأن مؤهلاته الجامعية.
الحكومة تنفي التدخل، مؤكدة على “استقلالية القضاء”، بينما ترى المعارضة أن هذه المحاكمات ما هي إلا جزء من استراتيجية لإقصاء أبرز منافسي أردوغان وإطالة عمر حكمه.
ملاحقات قضائية وضغوط على المعارضة
القضية الحالية ليست الوحيدة التي يواجهها إمام أوغلو؛ إذ يخضع لتحقيقات أخرى تشمل قضايا فساد مزعومة وصلات بـ”الإرهاب”، كما سبق أن صدر بحقه حكمان بالسجن، أحدهما بتهمة “إهانة مدعٍ عام”، وهما قيد الاستئناف.
منذ اعتقاله في 19 مارس 2025، إثر اتهامات بالفساد اعتُبرت مسيّسة، تصاعدت موجة احتجاجات وُصفت بأنها الأكبر منذ عقود في تركيا. وخلال الأشهر الماضية، اعتُقل أكثر من 500 شخص مرتبطين بحزب الشعب الجمهوري أو بلدية إسطنبول، بينهم 14 رئيس بلدية من الحزب، ما اعتبرته المعارضة حملة منظمة لتحييد المسؤولين المنتخبين بعد المكاسب الكبيرة التي حققها الحزب في انتخابات 2024 المحلية.
خلفية سياسية وصراع طويل
إمام أوغلو برز منذ انتخابه رئيسًا لبلدية إسطنبول عام 2019 كأهم منافس سياسي لأردوغان، بعد أن أنهى عقودًا من هيمنة حزب العدالة والتنمية على أكبر مدن البلاد. رغم الطعن في نتائج الانتخابات وإعادتها، عاد وفاز بفارق أكبر، ليكرس حضوره كرمز لصعود المعارضة. وفي 2024 احتفظ بمنصبه بفوز جديد عزز موقع حزب الشعب الجمهوري.
لكن اعتقاله وتعليق مهامه وضع بلدية إسطنبول تحت إدارة نائبه بالوكالة، فيما يستعد القضاء للفصل قريبًا في قضية أخرى قد تُبطل نتائج مؤتمر الحزب عام 2023، وهو ما قد يهز قيادته الداخلية.
أبعاد دولية وتحذيرات حقوقية
الملف أثار قلقًا واسعًا على الصعيد الدولي، حيث حذرت منظمات حقوقية ونواب أوروبيون من تراجع سيادة القانون وتفاقم الانتهاكات ضد المعارضة، مؤكدين أن الاعتقالات الجماعية والضغط على حزب الشعب الجمهوري يهددان ما تبقى من قواعد الديمقراطية في تركيا. سجن سيليفري بات رمزًا لهذه المرحلة، حيث يُحتجز فيه أبرز المعارضين والناشطين، بمن فيهم إمام أوغلو.

