شهد المشهد السياسي التركي تطوراً مثيراً للجدل بعد تعيين وصي قضائي على المقر الإقليمي لحزب الشعب الجمهوري في إسطنبول، في خطوة وُصفت بأنها انتهاك صارخ لسيادة القانون. هذه الخطوة، التي جاءت بإشراف مباشر من القضاء وبحماية خمسة آلاف شرطي، سمحت للنائب السابق عن الحزب غورسل تكين – المعروف بقربه من الحكومة – باقتحام المقر وتسلم الإدارة، في مشهد اعتبره كثيرون استعراض قوة أكثر منه إجراءً تنظيمياً.
وبحسب رؤية الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، فإن هذا التدخل يمثل مرحلة جديدة في تقويض المؤسسات الديمقراطية، ويعكس استراتيجية موجهة من الرئيس رجب طيب أردوغان تهدف إلى إعادة الحزب المعارض إلى دوره التقليدي كمعارضة شكلية لا تشكل خطراً على الحكم.
أهداف العملية وحدودها
يرى مراد، في مقال بموقع “توركيش مينوت”، أن الهدف المباشر من هذه الخطوة هو إضعاف الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، وتجريده من الزخم الذي اكتسبه في السنوات الأخيرة. فبعدما نجح حزب الشعب الجمهوري بقيادة وجوه جديدة مثل أكرم إمام أوغلو ومنصور يافاش في ترسيخ حضوره، يسعى أردوغان إلى إعادته إلى حالة الخمول التي اتسمت بفترة زعامة كمال كليتشدار أوغلو.
لكن هذا المسعى يحمل في طياته خطراً على الرئيس نفسه. فالحزب الجمهوري المعارض شكّل لعقودٍ العدوَّ السياسي المفضل لأردوغان، عبر خطاب “نحن مقابل هم”، حيث صوّر الحزب على أنه نخبة بعيدة عن “القيم الوطنية”. ويشير مراد إلى أن إفراغ الحزب من محتواه قد يحرم أردوغان من هذا الخصم الذي يُبقي قاعدته الشعبية متماسكة، وهو ما قد يهدد ركيزة أساسية في بقائه السياسي.
بين الاستقطاب والفراغ السياسي
أردوغان، بحسب مراد، لا يسعى إلى تدمير الحزب تماماً، بل إلى “تدجينه” وتحويله إلى معارضة آمنة تمنحه شرعية شكلية دون أن تمثل تهديداً حقيقياً. إلا أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، إذ قد يدفع أنصار الحزب إلى هجره بالكامل، ما يؤدي إلى انهيار منظومة الاستقطاب التي اعتمد عليها أردوغان طويلاً لتعبئة مؤيديه.
ويضيف مراد أن أردوغان لجأ مراراً إلى رهانات عالية المخاطر، من تسييس القضاء إلى الالتفاف على الأزمات الاقتصادية، غير أن حدود هذه الرهانات بدأت تضيق مع تصاعد الغضب الشعبي من التضخم وغلاء المعيشة وفقدان الثقة في نزاهة الانتخابات.
مأزق داخلي في حزب الشعب الجمهوري
غير أن مراد لا يغفل مسؤولية المعارضة نفسها عن الوضع الراهن. فأنصار الحزب طالما اتهموا ناخبي حزب العدالة والتنمية بالولاء الأعمى، بينما مارسوا هم أنفسهم تسامحاً مماثلاً مع قيادة كليتشدار أوغلو، الذي بقي على رأس الحزب رغم خسارات متكررة. ففي عام 2017، على سبيل المثال، لم يطعن بقوة في نتائج الاستفتاء الدستوري الذي شابته مخالفات خطيرة، وفي انتخابات 2023 أصر على الترشح للرئاسة متجاهلاً حظوظ شخصيات أكثر قدرة على منافسة أردوغان مثل إمام أوغلو ويافاش.
كما يشير مراد إلى أن قطاعاً من المعارضة التزم الصمت خلال سنوات التضييق على حركة الخدمة (المعروفة إعلامياً باسم جماعة كولن)، تحت شعار “دعوا الحكومة تقضي عليهم أولاً، ثم يأتي دور محاسبة أردوغان”. إلا أن الواقع كشف أن الدولة بعد الانتهاء من الحركة وجهت سهامها نحو المعارضة ذاتها، في سياق جديد صيغ بشعار “أولاً الكولنيون، ثم الشعب الجمهوري“.
المخاطر المستقبلية
يرى مراد أن تعيين أوصياء على الحزب المعارض لن يطيل عمر حكم أردوغان، بل قد يسرّع نهايته. فتركيا بلا معارضة حقيقية لا يمكن أن تستمر، وأردوغان بلا حزب الشعب الجمهوري كخصم رئيسي يبدو أمراً غير قابل للتصور. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة الشعبية، فإن أي محاولة لتفريغ الساحة السياسية من بدائل جدية قد تتحول إلى سلاح يرتد على صانعه.

