شهدت مدينة إسطنبول، يوم الثلاثاء، تظاهرة جماهيرية حاشدة أمام مبنى بلدية المدينة (سراجخانه)، شارك فيها ما لا يقل عن 10 آلاف شخص، وذلك في الذكرى المئوية الأولى لاعتقال رئيس البلدية المعارض البارز، أكرم إمام أوغلو، في قضية فساد تعتبرها المعارضة والعديد من المراقبين ذات دوافع سياسية بحتة.
وجاءت هذه التظاهرة استمرارًا لموجة احتجاجات واسعة شهدتها تركيا منذ 19 مارس، عندما اعتُقل إمام أوغلو على خلفية حملة أمنية استهدفت عشرات الموظفين في بلدية إسطنبول التي يديرها حزب الشعب الجمهوري.
اعتقالات فجريّة في إزمير: تصعيد جديد ضد بلديات المعارضة
بالتزامن مع المظاهرة في إسطنبول، نفّذت الشرطة التركية، فجر الثلاثاء، حملة اعتقالات طالت أكثر من 120 شخصًا على صلة ببلدية مدينة إزمير، المعقل التقليدي للمعارضة وثالث أكبر مدينة في البلاد.
وتأتي هذه الحملة في إطار تحقيقات في قضايا فساد مشابهة لما حدث سابقًا في إسطنبول، ما أثار مخاوف من استخدام القضاء وسيلةً لتقويض نفوذ المعارضة المحلية.
وبحسب مكتب الادعاء العام في إزمير، فقد صدرت مذكرات توقيف بحق 157 شخصًا، بينهم رئيس البلدية السابق وعدد من كبار مسؤولي البلدية.
وفي تعليق له على هذه التطورات، قال نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، مراد بكان، إن “هذه الاعتقالات الصباحية لا تندرج ضمن ضرورات قانونية بل هي خيار سياسي واضح”، مشيرًا إلى أن “هؤلاء الأشخاص معروفون ويظهرون علنًا يوميًا، وكان يمكن استدعاؤهم ببساطة للإدلاء بشهاداتهم“.
أوزجور أوزيل: “هذه معركة ضد الفاشية“
خلال كلمته أمام المتظاهرين في إسطنبول، قال زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزيل، إن “هذه المعركة ليست من أجل شخص، بل من أجل الحرية في مواجهة الفاشية”، مضيفًا: “أنتم الذين وقفتم في 19 مارس بشجاعة في سراجخانه، وواجهتم الظلم وطالبتم بالعدالة، أنا فخور بكم جميعًا“.
وتوجه أوزيل برسالة مباشرة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، قائلاً: “أنت تخشى صور إمام أوغلو، وملصقاته وصوته. لكن الخوف لا يجدي أمام إرادة الشعب. أنت سترحل، وأكرم إمام أوغلو سيصبح رئيسًا للجمهورية“.
خلفية الاحتجاجات ومسارها السياسي
كانت حملة الاعتقالات الأولى في إسطنبول، والتي شملت إمام أوغلو وعددًا من موظفي بلدية المدينة، قد فجّرت أكبر موجة اضطرابات شعبية منذ أكثر من عقد، حيث خرج مئات الآلاف إلى الشوارع، لا سيما في محيط سراجخانه، وطالبت بإطلاق سراح إمام أوغلو واحترام إرادة الناخبين.
وشهدت تلك الاحتجاجات اشتباكات ليلية متكررة مع قوات مكافحة الشغب، وأسفرت عن اعتقال نحو ألفي شخص، بينهم طلاب وصحفيون.
ورغم انتهاء الاحتجاجات الليلية بعد أسبوع، واصل حزب الشعب الجمهوري تنظيم تجمعات جماهيرية في مختلف المدن التركية، ما انعكس إيجابًا على موقعه في استطلاعات الرأي، في ظل تزايد السخط الشعبي على السلطة.
القضاء يلاحق المعارضة: قضية ضد قيادة حزب الشعب الجمهوري
في تصعيد إضافي، بدأت محكمة في أنقرة، يوم الإثنين، النظر في دعوى قضائية ضد حزب الشعب الجمهوري تتهمه بشراء الأصوات خلال انتخابات قيادته عام 2023، وهي التهم التي قد تؤدي نظريًا إلى إبطال فوز أوزيل برئاسة الحزب.
وقد اعتبر معارضون هذه القضية امتدادًا لما أسموه “انقلاب 19 مارس”، في إشارة إلى حملة الاعتقالات التي أطاحت بإمام أوغلو. وكتب أوزيل على منصة “إكس”: “لا توجد مؤامرة ضد حزبنا منفصلة عن انقلاب 19 مارس“.
وقد تم تأجيل الجلسة حتى 8 سبتمبر بسبب نزاع على الاختصاص القضائي.
حرائق موازية في إزمير
بالتزامن مع هذه التطورات السياسية والأمنية، تواجه مدينة إزمير سلسلة من الحرائق الواسعة في محيطها، أجبرت السلطات على إجلاء أكثر من 45 ألف شخص. ويأتي هذا الوضع البيئي الحرج ليزيد من تعقيد المشهد المحلي في المدينة، التي أصبحت الآن في بؤرة الاهتمام السياسي والأمني والبيئي.

