في خطوة تعيد الجدل حول مستقبل النظام السياسي في تركيا، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان يوم الثلاثاء عن تكليف فريق من عشرة فقهاء قانونيين بإعداد مسودة دستور جديد، وفقاً لما نقلته وكالة الأناضول الرسمية.
تأتي هذه المبادرة في سياق تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية في البلاد، ووسط مخاوف المعارضة من أن تكون محاولة لتمهيد الطريق أمام تمديد ولاية أردوغان الرئاسية، رغم نفيه السابق لأي نية للترشح مجدداً.
أردوغان يصف الدستور الحالي بـ”دستور الانقلابات”
في حديثه أمام مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم، شدد أردوغان على أن الدستور المعمول به حالياً – والذي أُقرّ عقب انقلاب 1980 – “لا يليق بتركيا الديمقراطية”، داعياً إلى “تتويج الديمقراطية بدستور مدني وحر”.
وقال أردوغان: “كلفت بالأمس عشرة من كبار الفقهاء القانونيين ببدء إعداد الدستور الجديد… نواصل سعينا من أجل دستور مدني يعكس إرادة الشعب.” وأضاف: “منذ 23 عامًا ونحن نؤكد على ضرورة دستور جديد يليق بالجمهورية التركية الحديثة.”
أعضاء لجنة الصياغة وهيكلتها
سيترأس اللجنة نائب الرئيس جودت يلماز، وتضم وجوهاً بارزة من حزب العدالة والتنمية، من بينهم نائبَا رئيس الحزب أفكان آلا ومصطفى إليطاش، ونائبا رئيس الحزب للشؤون القانونية والسياسية حياتي يازجي وعلي إحسان يافوز، والمتحدث باسم الحزب عمر تشيليك، ورئيس الكتلة البرلمانية عبد الله غولر، ونواب الكتلة البرلمانية أوزلم زينغين، ومحمد أمين أكباش أوغلو، وباهادير ينيشهیرلي أوغلو.
ومن المنتظر أن تبدأ اللجنة اجتماعاتها خلال الأيام المقبلة، وأن تستمر أعمالها خلال فصل الصيف، مع احتمال حضور أردوغان لبعض الجلسات شخصيًا.
جدل التمديد الرئاسي وشبهات تعديل مواد النظام الرئاسي
الدستور الحالي – الذي تم تعديله في 2017 ليحول النظام من برلماني إلى رئاسي – يحدد مدة الولاية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ورغم انتخاب أردوغان أول مرة عام 2014 في ظل النظام البرلماني، فقد أعيد انتخابه في 2018 و2023 ضمن النظام الرئاسي الجديد.
وهنا يكمن الجدل: هل يمكن اعتبار فترته الأولى “خارج” نظام 2017، وبالتالي يُسمح له بترشح ثالث دون تعديل؟ الخبراء الدستوريون منقسمون؛ فبينما يرى البعض أن ترشحه مجددًا يتطلب تعديلاً دستورياً أو انتخابات مبكرة، يعتبر آخرون أن النظام الجديد أعاد ضبط العداد الرئاسي.
وكان أردوغان قد صرح قبل الانتخابات المحلية في مارس 2024 بعدم نيته الترشح مجددًا، لكنه فاجأ المتابعين خلال تجمع شعبي في يناير 2025 عندما ألمح بإمكانية الترشح مرة ثالثة، مما أعاد إشعال التكهنات.
موازين القوى داخل البرلمان: هل تسمح بالتغيير؟
تتطلب عملية تعديل الدستور دعم ثلاثة أخماس من البرلمان (360 من أصل 600 نائب) لعرضه على استفتاء شعبي، أو دعم الثلثين (400 نائب) لإقراره مباشرة. لكن تحالف الحزب الحاكم مع التيار القومي اليميني لا يمتلك الأغلبية اللازمة، ما يعني أن أي تعديل دستوري سيظل رهيناً بتفاهمات مع قوى المعارضة.
المعارضة: دستور على مقاس الزعيم؟
رغم أن أردوغان يروج لمشروعه الدستوري باعتباره استكمالاً للمسار الديمقراطي، فإن المعارضة التركية تعتبره محاولة للسيطرة التامة على مفاصل الدولة وتمديد بقاء أردوغان في السلطة.
وترى هذه القوى أن ملامح الدستور الجديد قد تتضمن تغييرات توسع من صلاحيات الرئاسة أكثر مما هي عليه، وتهمش دور البرلمان، وتضعف الضمانات القضائية.
مخاوف من التلاعب بالقضاء وقمع الخصوم
تتزامن هذه المبادرة مع تزايد القلق من استخدام القضاء كأداة سياسية. ففي مارس الماضي، تم توقيف أكرم إمام أوغلو – رئيس بلدية إسطنبول وأبرز خصوم أردوغان السياسيين – ووضعه رهن الاحتجاز الاحتياطي بتهم يرى كثيرون أنها ذات طابع سياسي.
وقد أدى هذا التطور إلى تدهور حاد في سعر صرف الليرة التركية، تلاه تدخل غير مسبوق من البنك المركزي التركي، بقيمة قدرها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بـ40 مليار دولار، في محاولة لكبح الانهيار الاقتصادي.

