احتفل الأتراك يوم الإثنين 19 مايو بـ”يوم الشباب والرياضة”، الذي يوافق الذكرى السنوية لانطلاق حرب الاستقلال التركية عام 1919، وهي مناسبة تُكرّس رسميًا لتكريم الشباب.
وكما جرت العادة، أُقيمت مراسم رسمية وعروض وطنية في مختلف أنحاء البلاد، غير أن خلف هذه الاحتفالات المهيبة، تخيم حالة من التذمر والقلق على واقع ومستقبل الشباب التركي، الذين لم يعودوا يرون في هذه المناسبة سببًا حقيقيًا للفرح.
شباب بلا أمل: اقتصاد مأزوم ومستقبل غامض
تشير الاستطلاعات إلى أن قرابة 60% من الشباب الأتراك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا يفضلون العيش خارج البلاد إذا أُتيح لهم ذلك، في دلالة صريحة على تراجع الأمل لديهم في واقعهم المحلي.
ويتصدر الوضع الاقتصادي قائمة أولوياتهم ومخاوفهم؛ إذ تُظهر البيانات أن أقل من 4 من كل 10 شباب في هذه الفئة العمرية يشاركون في سوق العمل، بينما يبقى حوالي 60% منهم خارج دائرة التوظيف والتعليم والتدريب.
أما البطالة بين خريجي الجامعات فقد بلغت نحو 24.9%، في ظل وجود فجوة واضحة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
وفي هذا السياق، صرحت “دويغو”، البالغة من العمر 25 عامًا والمشاركة في تظاهرة بإسطنبول، لوكالة رويترز قائلة: “تخرجت عام 2024، لكني عاجزة عن إيجاد عمل، وعائلتي تعاني ماليًا”. وعلى الرغم من أن البيانات الرسمية تشير إلى أن نسبة البطالة بين الشباب في منتصف العشرينات، إلا أن الشباب يشيرون إلى أن الأرقام لا تعكس الواقع الحقيقي لحالة “البطالة المقنّعة” أو أولئك الذين فقدوا الأمل وتوقفوا عن البحث عن عمل.
تقرير صادر عن اتحاد نقابات العمل كشف أن أكثر من 4.7 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا (أي أكثر من ربع هذه الشريحة) لا ينخرطون في أي شكل من أشكال العمل أو التعليم أو التدريب، فيما يُعرف بفئة NEET.
أزمة تعليم وكبت للحريات
تتعاظم أزمة الشباب التركي مع مؤسسات الدولة، حيث أظهر استطلاع وطني أُجري عام 2024 أن 71% من الشباب غير راضين عن نظام التعليم، بينما يرى ثلثا الشباب أن حرية التعبير معدومة في البلاد.
ويصف تقرير بحثي حديث الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بأنها أصبحت “جزءًا من حياة الشباب اليومية”، فيما أكد 61% من الشباب أنهم فكروا جديًا في الهجرة “للعيش في مجتمع أفضل”.
تشمل مظالمهم غلاء المعيشة، وغياب العدالة، وغياب الجدارة (الاستحقاق الوظيفي)، وشعور متزايد بانعدام الأفق الديمقراطي.
احتجاجات شبابية تجتاح المدن
شهدت المدن التركية موجة احتجاجات واسعة قادها الشباب، اندلعت على خلفية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المعارض، أكرم إمام أوغلو، بتهم فساد في مارس الماضي، وهي خطوة يراها منتقدو الحكومة ذات دوافع سياسية واضحة.
وفي الأسابيع الأخيرة، نزل مئات الآلاف إلى الشوارع في مختلف المدن، للمطالبة بالتغيير ومزيد من الحريات. أسفرت هذه الاحتجاجات عن اشتباكات مع الشرطة، واعتقال أكثر من 2000 شخص، معظمهم من الشباب.
وردد المحتجون شعارات تطالب بالحرية والمحاسبة، في تعبير واضح عن شعورهم المتنامي بالاحتقان السياسي والاجتماعي.
دعوات لانتخابات مبكرة وصراع على مستقبل البلاد
استغل قادة المعارضة هذا الحراك للدعوة إلى انتخابات مبكرة، حيث صرح زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، بأن “الانتخابات يجب أن تُعقد قبل نوفمبر”، واصفًا الوضع الحالي بأنه “الاضطرابات الأوسع منذ عقد من الزمن”.
وفي قلب الاحتجاجات، عبّر الشباب عن توقهم إلى ديمقراطية حقيقية. يقول “يزان أتيشيان”، طالب جامعي يبلغ من العمر 20 عامًا ويشارك في مظاهرات جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة: “نشأنا تحت حكم واحد لا يتغير، نحن جيل يبحث عن التغيير والدليل على أننا نعيش في نظام ديمقراطي”. وأضاف: “فكرة أن السلطة لا تنتهي أبدًا تُخيفنا”، في إشارة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يحكم البلاد منذ أكثر من عشرين عامًا.
أردوغان يعد، والمعارضة تتحدى
في رسالته بمناسبة العيد الوطني، حاول الرئيس أردوغان تهدئة الأوضاع، موجهًا رسالة للشباب وصفهم فيها بأنهم “قوة التغيير”، وتعهد بحل مشكلاتهم وبتوريث “تركيا آمنة ومزدهرة”.
وأشار إلى التوسع في الجامعات والمشاريع الكبرى باعتبارها إنجازات تصب في مصلحة الشباب، لكن معارضيه يرون أن هذه الإنجازات أُفرغت من مضمونها بفعل السياسات الاقتصادية المتعثرة وتركيز السلطات في يد واحدة.
من جهة أخرى، وجّه أوزجور أوزيل، خلال مسيرة إلى ضريح مصطفى كمال أتاتورك، نداءً إلى شباب حزب العدالة والتنمية الحاكم، دعاهم فيه إلى “استعادة الكرة من آبائكم وجدودكم وقادتكم”، منتقدًا ما وصفه بميل الحكومة إلى رفض نتائج الانتخابات إذا لم تكن لصالحها.
وأكد أن مؤسس الجمهورية لم يوصِ الجيش أو السياسيين بحمايتها، بل أوكل هذه المهمة إلى الشباب، معتبرًا أن هذا الجيل يفي بهذه الوصية من خلال دفاعه عن الديمقراطية في الشوارع.

