في لقاء استثنائي على شاشة “روداو”، أدلى الكاتب والأكاديمي التركي المخضرم ممتازر توركونه، أحد أبرز وجوه الفكر القومي التركي في العقود الماضية، بتصريحات مثيرة تعكس تحوّلاً كبيراً في الخطاب السياسي التركي إزاء القضية الكردية. اللقاء شكّل مساحة تأمل فكري عميق حول المسألة الكردية، والدولة التركية، والقومية، والديناميكيات الإقليمية.
توركونه: أنا كردي بقدر أي كردي آخر
استهل توركونه حديثه بتأكيد عاطفي على تأييده للسلام، قائلاً: “شعوري بأنني كردي لا يقل عن شعور أي كردي آخر بكرديته”، مستحضراً مقولة شهيرة للزعيم القومي ألب أرسلان توركش: “إذا كان الكردي كردياً، فأنا أيضاً كردي بنفس الدرجة”. بالنسبة لتوركونه، هذا تعبير عن مفهوم يتجاوز العرق إلى الانتماء المشترك والمصير الموحد.
أكّد أن اللحظة الراهنة في تركيا هي لحظة ولوج في مناخ من الثقة المتبادلة يجب أن يُستثمر لإنهاء 100 عام من سوء الفهم السياسي والثقافي.
تفكيك خطاب الكراهية القومي
انتقد توركونه بحدة ما سمّاه “النوع المَرَضي من القومية”، والذي يرى أنه ناتج عن شعور بالنقص لدى بعض الأفراد الذين يستخدمون خطاب القومية لإخفاء إخفاقاتهم الشخصية، وخلق عدو وهمي هو “الكردي” لتعويض هذا النقص.
وأكد أن الدولة التركية الحديثة خلقت خطاباً مؤسساتياً حول “الإرهاب” بُني على وجودحزب العمال الكردستاني، واليوم مع إعلان الحزب عن حله، يجب على الدولة والمجتمع إعادة تعريف الذات الوطنية خارج هذا القالب العداوني.
لحظة نادرة في التاريخ: قائد ينهي تنظيمه
وصف توركونه إعلان العمال الكردستاني حل نفسه بأنه “حدث فريد” ليس له نظير عالمي، إذ نادراً ما يُقدم قائد حركة تمرّد على إنهائها دون مفاوضات، معتبراً أن كلاً من عبد الله أوجلان ودولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية، يلعبان دوراً مشابهاً – الأول يدفع القطار من الخلف، والثاني يسحبه من الأمام – في اتجاه إنهاء ملف عمره 40 عاماً.
التعايش لا الانفصال: مصير الكرد مشترك مع الأتراك
رفض توركونه مقولة “الكرد خُدعوا بعد كل اتفاق”، مؤكداً أن التحالفات الكردية التركية في التاريخ أنتجت أفضل الفترات للجانبين، مذكراً بدور الكرد في توسّع الدولة العثمانية في القرن السادس عشر. وشدد على أن الفصل بين الشعبين مستحيل، لأن مستقبلهم مشترك، بل إن ما يجمعهم أكثر مما يجمع الأتراك مع أبناء عرقهم في دول أخرى.
التحديات المقبلة: اللغة الكردية، والدستور، وأوجلان
توقّع توركونه أن يُسمح لعبد الله أوجلان بدور سياسي علني، مع ضمان حرية تواصله، وأن يشهد المشهد السياسي الإفراج عن قيادات كردية بارزة مثل صلاح الدين دميرتاش. كما أشار إلى ضرورة فتح نقاش جاد حول “اللغة الكردية في التعليم”، مؤيداً إعطاء الكرد كامل حقوقهم اللغوية والرمزية ضمن إطار المواطنة.
واقترح أن تُعاد صياغة تعريف المواطنة في الدستور بما يُعطي لكل من الكرد والترك شعوراً بالمساواة، مستشهداً بصيغة قدمها دولت بهجلي حول “المواطنة التركية“.
الدور الإقليمي: كردستان العراق وسوريا والفرصة التركية
أشار توركونه إلى أن التحولات الجارية في شمال شرق سوريا (روج آفا) وواقع إقليم كردستان العراق يمنحان تركيا فرصة لإعادة صياغة علاقتها مع الكرد كقوة حليفة لا خصم. وأكّد أن تركيا، في ظل انشغال إيران وروسيا، وحضور أمريكي/إسرائيلي/أوروبي في الملف، أصبحت أمام لحظة استراتيجية لصياغة علاقة جديدة مع الكرد.

