في تحول يوصف بأنه تاريخي، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) نفسه “منحلًا” عقب مؤتمر استثنائي عُقد بين 5 و7 مايو، معلنًا وقف العمل المسلح بعد 47 عامًا من الصراع.
لكن المراقبين يرون أن الأمر أكثر تعقيدًا من مجرد “إلقاء السلاح”، وأن القراءة السطحية لهذا الإعلان ستغفل خلفيات إقليمية، وتسويات داخلية، وتوظيف سياسي واضح من قِبل النظام التركي.
التفكيك لا يعني الاستسلام… بل إعادة توزيع للأدوار
يشير المحلل السياسي البروفسور صواش جنتش إلى أن ما جرى ليس نهاية قاطعة بل إعادة تموضع، حيث من المتوقع – وفق تسريبات دبلوماسية – أن يتم إدماج عدد من عناصر الكردستاني الذين لم يرتكبوا أعمالًا إرهابية ضمن الحياة المدنية في الداخل التركي، في إطار صور “سلامية” تُروّج خارجيًا، خصوصًا للأمم المتحدة والمجتمع الغربي.
في الخلفية: تسوية مع الغرب حول كيان كردي في شمال سوريا
يعتقد جنتش أن تركيا قد وافقت ضمنيًا على نشوء كيان كردي محدود في شمال سوريا، مقابل ضمان أمن حدودها ووقف الأعمال المسلحة من داخل أراضيها. وجرى ذلك برعاية أميركية وإسرائيلية غير معلنة، وهو ما قد يتيح لهذا الكيان مستقبلاً أن يكون بوابة اقتصادية نحو تركيا.
ويوضح أن الكرد، وليس العرب أو الفرس أو العثمانيين، هم أقرب شعوب المنطقة اجتماعيًا وثقافيًا إلى الأتراك، معتبرًا أن هذا المسار يستحق التفكير بعيدًا عن النظرة الأمنية الصلبة.
لكن: كيف يوظف أردوغان هذه اللحظة؟
يُحذر جنتش من أن النظام التركي سيُوظّف هذه “المصالحة” الكردية لتجديد شرعيته المنهارة. فالمشهد الداخلي يشهد قمعًا للمعارضة، واعتقال رموزها مثل أكرم إمام أوغلو، بينما يُقدّم عبد الله أوجلان كقائد تاريخي ومسالم، ما يمثل تناقضًا صارخًا في الخطاب السياسي.
صفقة داخلية: تسوية دستورية مقابل تطويل العهدة الرئاسية
يتوقع جنتش أن يُطرَح “حِزْمة إصلاح دستوري” تتضمن الاعتراف بحقوق كردية محدودة، وتعديل نظام الانتخابات لصالح عتبة 40% بدل 50% +1، والسماح لأردوغان بالترشح دون سقف زمني.
وفي المقابل، قد تعرض السلطة إطلاق سراح إمام أوغلو، مع الإبقاء على منعه من الترشح، في سيناريو مشابه لما حصل في صفقات سابقة.
ويؤكد المحلل التركي أن كل نائب برلماني أصبح اليوم جزءًا من “خارطة طريق محتملة لتغيير النظام”، سواء بضمّه لتحالف الحكومة أو عبر أدوات ضغط.
البرلمان لا الشارع: ساحة الصفقات القادمة
يؤكد جنتش أن التغييرات المقبلة لن تُدار عبر الشارع أو الإعلام، بل عبر صفقات دقيقة تُدار داخل البرلمان، حيث تحاول السلطة الوصول إلى 400 نائب لتعديل الدستور دون استفتاء.
خطر التوظيف السياسي لحقوق الأكراد
يحذر جنتش من أن حقوق الأكراد ستُقدّم كمقابل سياسي لتمديد عهد أردوغان لا كاستحقاق حقوقي خالص، ومن يعارض التعديل سيتهم تلقائيًا بأنه “ضد حقوق الأكراد”، ما يخلق ازدواجية خطيرة في النقاش الديمقراطي.
زاوية دولية: تركيا كمسرح للسلام الروسي-الأوكراني
يربط جنتش بين الانفتاح التركي نحو الأكراد وبين محاولات أنقرة لتقديم نفسها وسيطًا في قضايا إقليمية، آخرها التحضير لمحادثات محتملة بين بوتين وزيلينسكي وربما ترامب في تركيا، معتبرًا أن هذا لا يعود لسمو “النظام”، بل لموقع أردوغان كزعيم لم يتخلَّ عن علاقته ببوتين طوال الحرب.

