أعلن البنك المركزي التركي، يوم الخميس، رفع سعر الفائدة الرئيسي من 42.5% إلى 46%، في خطوة لافتة تأتي في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن احتجاجات شعبية واسعة على خلفية توقيف وسجن رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو بتهم فساد مثيرة للجدل، ينفيها الأخير بشدة.
وذكرت لجنة السياسة النقدية في بيانها الرسمي أن القرار يأتي ضمن مسار نقدي مشدد يهدف إلى كبح جماح التضخم وتحقيق استقرار الأسعار، مؤكدة أنها ستواصل اتباع هذا النهج حتى يتحقق “استقرار دائم في الأسعار من خلال تراجع مستمر في معدلات التضخم”.
انعكاسات التوتر السياسي على الاقتصاد: الليرة تتراجع والبورصة تنزف
شهدت الأسواق المالية التركية اضطرابات حادة منذ اعتقال إمام أوغلو في 18 مارس، وهو ما أدى إلى هبوط الليرة التركية بنسبة 12% في يوم واحد، لتسجل أدنى مستوياتها أمام الدولار على الإطلاق. وعلى الرغم من أن هذا التراجع الحاد كان مؤقتًا، إلا أن الليرة فقدت أكثر من 4% من قيمتها مقابل الدولار منذ ذلك التاريخ.
ولم تفلح محاولات البنك المركزي في كبح هذا التدهور، رغم ضخ نحو 50 مليار دولار في الأسواق بهدف دعم العملة المحلية والحد من تداعيات الأزمة.
كما انعكست هذه التوترات على بورصة إسطنبول التي تراجعت بأكثر من 13% منذ إغلاق جلسة 18 مارس، وسط دعوات متزايدة من قبل المحتجين لمقاطعة الشركات المقربة من الحكومة.
التضخم يتراجع لكن التحديات مستمرة
بحسب البيانات الرسمية الصادرة مطلع أبريل، بلغ معدل التضخم السنوي في تركيا 38.1% في شهر مارس، وهو أدنى مستوى يسجله منذ ديسمبر 2021، بعد أن كان قد بلغ ذروته عند 75% في مايو من العام الماضي.
ورغم هذا التراجع النسبي، لا تزال الأسعار تشكل عبئًا كبيرًا على المواطنين، خصوصًا مع تآكل القدرة الشرائية وتراجع قيمة العملة المحلية. وتستهدف الحكومة التركية خفض معدل التضخم إلى 24% بحلول نهاية عام 2025، وفق التصريحات الرسمية.
السياسة النقدية: تشديد متواصل وتحركات حذرة
أكد البنك المركزي أن قرارات تعديل سعر الفائدة ستتم وفق رؤية متدرجة قائمة على تقييم دقيق لتوقعات التضخم في كل اجتماع، مشددًا على أنه سيُشدِّد السياسة النقدية بشكل إضافي في حال ظهور مؤشرات واضحة على تدهور كبير ومستمر في مؤشرات الأسعار.
هذا النهج يأتي في إطار محاولات السلطات الاقتصادية استعادة الثقة بالأسواق، في ظل تحديات داخلية تتجاوز الأبعاد المالية، لتشمل أيضًا عوامل سياسية وأمنية تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي برمته.
السياق السياسي يفاقم الأزمة الاقتصادية
يُشار إلى أن توقيف أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان، أثار موجة غضب في الشارع التركي، لا سيما أن الحكم بحقه جاء في وقت حساس سياسيًا، مع اقتراب انتخابات بلدية أو عامة محتملة، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتباره خطوة ذات دوافع سياسية أكثر منها قانونية.
وقد سبق أن أكدت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، في تقارير سابقة، أن التطورات السياسية الأخيرة، بما في ذلك تصاعد حملة القمع ضد المعارضة، وتقييد حرية الصحافة، والانكماش الديمقراطي، كلها عوامل تُسهم في زيادة حالة القلق لدى المستثمرين وتدفع الاقتصاد نحو مزيد من عدم الاستقرار.
تُظهر التطورات الأخيرة في تركيا تداخلاً عميقًا بين السياسة والاقتصاد، إذ لم تعد القرارات النقدية وحدها كافية لضبط الأسواق، في ظل احتقان سياسي واجتماعي متصاعد. وبينما يواصل البنك المركزي اتخاذ إجراءات صارمة لكبح التضخم ودعم الليرة، تبقى البيئة السياسية المتوترة عاملاً حاسمًا في تحديد اتجاهات الاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة.

