يستفيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تردد الدول الغربية في اتخاذ موقف حاسم تجاه حملته المتصاعدة ضد المعارضة، خاصة بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي يعد أبرز منافسيه السياسيين.
ويأتي هذا في وقت تشهد فيه الساحة الدولية حالة من عدم اليقين، حيث تسعى أوروبا للحفاظ على علاقاتها مع أنقرة، بينما تركز الإدارة الأمريكية على أولوياتها الجيوسياسية الأخرى.
حسابات أوروبا: تركيا بين الاستقرار والأمن
يرى محللون أن أوروبا تتجنب تصعيد الخلاف مع أردوغان، خاصة مع حاجتها إلى تعاون تركيا في القضايا الأمنية والاستراتيجية، بما في ذلك الملف الأوكراني والوضع في سوريا. وتسعى بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، إلى ضمان دور أنقرة في أي تسوية محتملة مع روسيا، إلى جانب اعتمادها على تركيا كفاعل رئيسي في إدارة الأزمة السورية بعد انهيار نظام بشار الأسد.
موقف أمريكي متحفظ: واشنطن تراقب بصمت
في ظل الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب، لم تُظهر واشنطن اهتمامًا كبيرًا بالوضع الداخلي في تركيا، حيث تركز أولوياتها على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، واحتواء التهديد الإيراني، ومواجهة النفوذ الصيني. وعلى الرغم من أن بعض الدول الأوروبية نددت باعتقال إمام أوغلو، فإن أي إجراءات عقابية أو تحذيرات ملموسة لم تصدر حتى الآن، بينما التزمت واشنطن الصمت إلى حد بعيد.
قراءة أردوغان للمشهد الجيوسياسي
ترى الباحثة أصلي أيدنتاشباش، الزميلة في معهد بروكينغز بواشنطن، أن أردوغان استغل “اللحظة الجيوسياسية” بدقة، مستفيدًا من ضعف التركيز الغربي على ملف حقوق الإنسان في تركيا. وتضيف أن الدول الأوروبية باتت تنظر إلى أنقرة كشريك لا غنى عنه في تأمين الاستقرار الإقليمي، بينما تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة معه.
“اللحظة المثالية” للقمع السياسي
يعتقد مارك بيريني، الباحث في مركز “كارنيغي أوروبا”، أن أردوغان اختار “اللحظة المثالية” من وجهة نظره لتصعيد القمع ضد المعارضة، في ظل انشغال الغرب بالأزمات الدولية الأخرى. وأشار إلى أن تركيا باتت شريكًا أساسيًا في أي تحالف دولي لدعم أوكرانيا، وهو ما يجعلها تحظى بأهمية استراتيجية متزايدة لدى العواصم الغربية.
الإفلات من المحاسبة: تغاضٍ غربي عن انتهاكات الحقوق
منذ إعادة انتخاب إمام أوغلو رئيسًا لبلدية إسطنبول، تصاعدت الضغوط السياسية عليه، وصولًا إلى اعتقاله، في خطوة وصفها محللون بأنها تمت بموافقة مباشرة من أردوغان. وقد تسببت هذه الخطوة في موجة احتجاجات واسعة اجتاحت شوارع إسطنبول ومدن أخرى، حيث استخدمت الشرطة القوة لتفريق المتظاهرين، ما أسفر عن اعتقال أكثر من 1000 شخص، من بينهم صحفيون.
“شيك على بياض” من واشنطن؟
يشير بعض المراقبين إلى أن سياسة إدارة ترامب تجاه تركيا تمنح أردوغان “شيكًا على بياض”، حيث لم تصدر عن الخارجية الأمريكية أي إدانات قوية لاعتقال إمام أوغلو. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، تامي بروس، إن واشنطن “لا تعلق على القرارات الداخلية للدول الأخرى”، مكتفية بالتأكيد على ضرورة احترام حقوق جميع المواطنين.
غياب النفوذ الأوروبي داخليًا في تركيا
لم تعد فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أداة ضغط فعالة كما كانت في السابق، خاصة بعد تراجع الاهتمام التركي بهذا الملف في السنوات الأخيرة. ومع تسارع المساعي الأوروبية لمنح أوكرانيا عضوية الاتحاد، بات واضحًا أن نفوذ أوروبا على السياسة الداخلية التركية قد تراجع بشكل كبير.
المعارضة التركية خلف القضبان
إمام أوغلو ليس المعارض الوحيد الذي يواجه الاعتقال، فهناك شخصيات بارزة أخرى مثل السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، المعتقل منذ 2016، ورجل الأعمال والناشط الحقوقي عثمان كافالا، المعتقل منذ 2017، حيث تجاهلت أنقرة قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي طالبت بالإفراج عنهما.
الاعتبارات الجيوسياسية على حساب الديمقراطية
يرى محللون أن تركيا لن تكون الدولة الأولى أو الأخيرة التي تتأثر فيها الديمقراطية بمصالح القوى الكبرى. وتقول أيدنتاشباش: “إننا نعيش في لحظة تاريخية يمكن فيها سحق القيم الديمقراطية تحت وطأة المصالح الجيوسياسية الصعبة”، في إشارة إلى الأولويات الغربية التي باتت تضع الاستقرار الإقليمي فوق ملف حقوق الإنسان في تركيا.

