أثار اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، جدلاً واسعاً داخل تركيا وخارجها، حيث أكد العديد من الخبراء المحليين والدوليين أن الأسباب الحقيقية وراء احتجازه لا تتعلق بالتهم الموجهة إليه رسميًا، بل تأتي في سياق سياسي بامتياز.
ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن هذا الإجراء يمثل “تصعيدًا خطيرًا في حملة القمع التي تمارسها السلطات التركية ضد المعارضة السياسية السلمية، وتحديدًا ضد حزب الشعب الجمهوري”، وذلك قبل أيام فقط من ترشيح إمام أوغلو ليكون المنافس الرئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
تصاعد شعبية إمام أوغلو والتهديد الذي يمثله
على مدار السنوات الماضية، تمكن إمام أوغلو من تحقيق انتصارات انتخابية متكررة، الأمر الذي جعله يشكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل أردوغان السياسي. فبعد إلغاء فوزه الأول في انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019 بقرار قضائي مثير للجدل، عاد ليحقق انتصارًا أكبر في الانتخابات المعادة، مما شكل ضربة قوية للرئيس التركي. وفي انتخابات 2024، عزز إمام أوغلو موقعه بفارق تجاوز مليون صوت، رغم جهود أردوغان المكثفة لحشد الدعم لمرشح حزبه.
نجاح إمام أوغلو لم يقتصر على استقطاب أنصار حزب الشعب الجمهوري، بل امتد إلى قاعدة أوسع، شملت المحافظين والقوميين الأتراك والأكراد، وهو ما لم يتمكن أي سياسي معارض آخر من تحقيقه في مواجهة أردوغان. ومع تزايد الاستقطاب السياسي في البلاد، بدا واضحًا أن مواجهة إمام أوغلو في انتخابات 2028 تمثل تحديًا كبيرًا لأردوغان، خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى تفوق إمام أوغلو عليه بفارق كبير.
نهج حزب الشعب الجمهوري: ازدواجية في التعامل مع القمع السياسي
رغم أن حزب الشعب الجمهوري قدم ردود فعل غاضبة تجاه اعتقال إمام أوغلو، إلا أن الحزب نفسه كان متهمًا في السابق بغض الطرف عن إجراءات القمع التي طالت آلاف الموظفين الحكوميين منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. فقد تم فصل عشرات الآلاف من القضاة والدبلوماسيين والأكاديميين والمعلمين والأطباء بتهم تتعلق بالإرهاب، دون محاكمات عادلة، وفقًا لمراسيم الطوارئ. في تلك الفترة، لم يُظهر حزب الشعب الجمهوري معارضة حقيقية لهذه الإجراءات إلا عندما بدأت تستهدف شخصيات محسوبة عليه.
على سبيل المثال، تبنى الحزب موقفًا انتقائيًا تجاه ضحايا مراسيم الطوارئ، خاصة أولئك المنتمين إلى حركة كولن أو الناشطين الليبراليين والأكراد. فقد طالب الحزب بعودة الموظفين الذين ثبتت براءتهم في المحاكم إلى وظائفهم، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن القضاء التركي، الخاضع لنفوذ السلطة التنفيذية، غالبًا ما يعجز عن تنفيذ حتى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
تداعيات الاعتقال على النظام السياسي والاقتصاد
يمثل اعتقال إمام أوغلو تحولًا نوعيًا في المشهد السياسي التركي، حيث أصبح واضحًا أن أردوغان يتصرف وكأنه رئيس مدى الحياة، معتمداً على مزيج من القمع السياسي والتلاعب بالمعارضة لضمان استمرارية سلطته. إلا أن هذا النهج قد يأتي بنتائج عكسية، إذ أن غياب معارضة قوية قد يفقد أردوغان أهم أدواته في حشد قاعدته الانتخابية. فقد دأب الرئيس التركي على تصوير خصومه السياسيين، خاصة العلمانيين والأكراد، كتهديد لتياره المحافظ، لكن في ظل غياب منافس حقيقي، قد تفقد هذه السردية مصداقيتها.
علاوة على ذلك، فإن الأزمة السياسية المتفاقمة، إلى جانب التراجع الاقتصادي، قد تدفع البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار. فتركيا، على عكس روسيا، لا تمتلك موارد طبيعية كافية لدعم اقتصادها، مما يجعلها تعتمد بشكل أساسي على الاستثمارات الأجنبية. ومع تآكل سيادة القانون، بات من الصعب جذب هذه الاستثمارات، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وانخفاض قيمة الليرة التركية، كما ظهر جليًا في اضطراب الأسواق المالية الذي أعقب اعتقال إمام أوغلو، حيث اضطر البنك المركزي إلى التدخل بخسارة 11.5 مليار دولار في يوم واحد لدعم العملة المحلية.
تركيا بين السلطوية والمجهول
من الواضح أن أردوغان يسعى لتكريس نموذج سلطوي مشابه لما هو قائم في روسيا، إلا أن التحديات التي تواجهه تختلف جوهريًا. فبينما يملك بوتين القدرة على تأمين الاستقرار الاقتصادي من خلال موارد الطاقة، يجد أردوغان نفسه أمام معضلة اقتصادية متفاقمة، تفاقمها سياساته القمعية. ومع تزايد الاحتقان الاجتماعي، قد يكون هذا النهج السلطوي غير مستدام على المدى الطويل، مما يفتح الباب أمام احتمالات غير متوقعة في المشهد السياسي التركي.
المصدر: موقع تركيش مينوت، مقال للكاتب الصحفي التركي عمر مراد

