في تطور سياسي لافت، ألقت السلطات التركية القبض على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بتهم تشمل الفساد ودعم جماعة إرهابية، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا داخل الأوساط السياسية.
ويُنظر إلى إمام أوغلو باعتباره المنافس الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ما دفع حزب الشعب الجمهوري المعارض إلى وصف هذه الإجراءات بأنها “انقلاب” يستهدف إقصاء الرئيس التركي المحتمل من السباق.
مخاوف من استهداف سياسي
أفردت صحيفة العرب اللندنية مساحة للحدث، حيث أشارت إلى أن إمام أوغلو يتمتع بشعبية كبيرة في إسطنبول، كبرى المدن التركية، وقد نجح في هزيمة مرشح حزب العدالة والتنمية الإسلامي في انتخابات البلدية السابقة. وقالت إن قوته تكمن في قدرته على الخطابة، حيث يركز انتقاداته على قضايا تهم المواطن مباشرة، مثل الاقتصاد والمعيشة، وهو ما يفسر التخطيط المحتمل لمنعه من خوض الانتخابات المقبلة.
وأكدت الصحيفة أن أردوغان وحزبه يشعران بأن إمام أوغلو سيكون العقبة الأكبر أمام مرشح العدالة والتنمية في 2028، سواء كان أردوغان نفسه، أو وزير خارجيته الحالي، هاكان فيدان، الذي يُرجح ترشيحه على نطاق واسع إذا تعذّر ترشح أردوغان بسبب القيد الدستوري على الفترات الرئاسية.
إجراءات قانونية أم تصفية سياسية؟
بحسب بيان صادر عن مكتب المدعي العام في إسطنبول، يواجه إمام أوغلو اتهامات بالفساد والابتزاز، فضلاً عن كونه “رئيس منظمة إجرامية تهدف للربح”. كما شملت تهم الإرهاب الموجهة له سبعة مشتبه بهم، بدعوى ارتباطهم بحزب العمال الكردستاني المحظور.
وتطرقت الصحيفة إلى أن هذا التطور أدى إلى توترات في الشارع التركي، حيث خرجت احتجاجات عند مركز الشرطة الذي احتُجز فيه إمام أوغلو، مرددين هتافات مناهضة للحكومة، رغم تحذيرات وزير العدل يلماز تونج من استخدام مصطلحات مثل “انقلاب” لوصف هذه الإجراءات.
في غضون ذلك، سارعت السلطات إلى فرض إجراءات أمنية مشددة، حيث مُنعت المظاهرات حتى الأحد، وأُغلقت ساحة تقسيم الشهيرة، كما تم تقييد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد من المخاوف بشأن تصاعد القمع السياسي.
محاولات قانونية لإقصاء إمام أوغلو
وذكرت الصحيفة أن العراقيل لم تتوقف عند الاحتجاز، حيث ألغت جامعة إسطنبول شهادة إمام أوغلو، ما يشكل عقبة قانونية أمام ترشحه للرئاسة، نظرًا لاشتراط الدستور التركي أن يكون المرشح حائزًا على شهادة تعليم عالٍ. وسارع إمام أوغلو إلى الطعن في هذا القرار، معتبرًا أنه غير قانوني، وأن الجهة المخولة بالنظر في شهادته هي مجلس كلية التجارة التي تخرج منها.
وكان إمام أوغلو قد تعرض سابقًا لعدة ملاحقات قانونية، منها منعه من الترشح للرئاسة عام 2023 بسبب إدانته بتهمة “إهانة” أعضاء اللجنة الانتخابية العليا. كما فُتحت بحقه ثلاث قضايا جديدة هذا العام، مما يعزز الشكوك حول استهدافه سياسيًا.
انعكاسات على المشهد السياسي التركي
واعتبرت الصحيفة أن هذه التطورات تعكس مدى احتدام الصراع السياسي في تركيا، ونقلت عن مراقبين قولهم بأن إقصاء إمام أوغلو يمهد الطريق لترسيخ قبضة أردوغان على السلطة، على غرار النماذج في روسيا وبيلاروسيا وفنزويلا.
وفي هذا السياق، صرح بيرك إيسن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سابانجي بإسطنبول، بأن “ما حدث لا يعدو كونه انقلابًا ضد حزب المعارضة الرئيسي، مع تداعيات جسيمة على مستقبل البلاد السياسي.” كما أكد وولفانجو بيكولي، الرئيس المشارك في شركة تينيو الاستشارية، أن “أجندة أردوغان الشخصية تظل الأولوية القصوى، بغض النظر عن الكلفة، في حين يأتي كل شيء آخر في المرتبة الثانية.”
حزب الشعب الجمهوري يتمسك بإمام أوغلو
رغم الضغوط المتزايدة، أعلن زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، أن الحزب سيختار إمام أوغلو مرشحًا رئاسيًا يوم الأحد، قائلاً: “تشهد تركيا انقلابًا على الرئيس المقبل؛ نحن هنا أمام محاولة انقلاب.” وأكد أن أردوغان يدرك تمامًا أن إمام أوغلو هو المنافس القادر على هزيمته.
الانتخابات المقبلة.. سيناريوهات محتملة
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 2028، يقف أردوغان أمام معضلة دستورية، إذ استنفد فرصه للترشح لفترة ثالثة. وبموجب الدستور، لا يمكنه الترشح مجددًا إلا في حال الدعوة إلى انتخابات مبكرة أو تعديل الدستور، وهو أمر قد يسعى إليه إذا استمر شعوره بتهديد المعارضة.
وكان أردوغان قد تعرض لهزيمة غير مسبوقة في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث فقد حزبه السيطرة على معاقل رئيسية، مما يعكس تراجع شعبيته. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يجد حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة تحديات أكبر خلال الاستحقاقات المقبلة.
تركيا أمام مفترق طرق
مع تصاعد التوترات السياسية وتنامي المخاوف بشأن نزاهة العملية الانتخابية، تبدو تركيا أمام مرحلة حاسمة. فهل سيتمكن إمام أوغلو من تجاوز العقبات القانونية والسياسية والاحتفاظ بحقه في الترشح؟ أم أن النظام سيواصل فرض القيود على المعارضة، مما قد يؤدي إلى تحول جديد في المشهد السياسي التركي؟ الأيام القادمة ستكشف الكثير عن مستقبل الديمقراطية في تركيا.

