تشهد مناطق الساحل السوري، وتحديدًا في محافظتي اللاذقية وطرطوس، اضطرابات أمنية غير مسبوقة بعد اندلاع اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن السورية ومجموعات مسلحة تابعة لما يُعرف بفلول نظام بشار الأسد. ويأتي هذا التصعيد وسط توتر سياسي وإعلامي متزايد، واتهامات متبادلة بين القوى الإقليمية، خصوصًا تركيا وإيران، حول الأدوار الخفية في هذا التحرك العسكري.
بداية الأحداث: هجوم منظم ودور إيراني محتمل
بدأت المواجهات يوم الخميس في قرية بيت عانا بريف اللاذقية، عندما تصدى مسلحون محليون لقوات الأمن التي حاولت اعتقال أحد المطلوبين بتهمة تهريب السلاح، ثم امتدت الاشتباكات إلى مدينة جبلة، حيث هاجمت مجموعات مسلحة موالية للأسد قوافل أمنية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن العملية كانت “مدروسة ومنظمة”، مشيرًا إلى احتمال وجود جهات خارجية تدعم المسلحين، من بينها حزب الله الذي يُعتقد أنه سهّل نقل السلاح، في حين وُجهت اتهامات لإيران بتوفير الغطاء السياسي والإعلامي لهذا التحرك.
ردّ فعل الحكومة السورية وفرض السيطرة الأمنية
في مواجهة هذا التصعيد، أرسلت السلطات السورية تعزيزات عسكرية ضخمة، شملت دبابات وعربات مدرعة، وفرضت حظر تجول في مدن اللاذقية وطرطوس وبانياس. وأعلن الناطق باسم وزارة الدفاع السورية، حسن عبد الغني، يوم الجمعة، استعادة السيطرة الكاملة على هذه المناطق، مشددًا على أن العمليات الأمنية مستمرة حتى القضاء على جميع بقايا “النظام البائد”. كما أكدت السلطات أنها لن تتهاون مع أي محاولة لزعزعة الاستقرار، محذرة كل من يرفض تسليم سلاحه بمواجهة ردّ حاسم.
إيران تنأى بنفسها.. وتصعيد في الخطاب السياسي
على الرغم من الاتهامات الموجهة إليها، نفت إيران أي علاقة لها بالأحداث. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن طهران “تعارض بشدة العنف وعدم الاستقرار في سوريا”، داعيًا الحكومة السورية إلى حماية جميع المواطنين. لكن تصريحات المسؤولين الإيرانيين السابقين، مثل المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي توقع “ظهور مجموعة شريفة وقوية في سوريا”، وتصريحات وزير الخارجية الإيراني السابق عباس عراقجي، التي حذرت من الاحتفال المبكر بالانتصارات، تعكس موقفًا أكثر غموضًا حيال التغييرات في سوريا.
تركيا تتحرك دبلوماسيًا وتحذر من النفوذ الإيراني
في المقابل، استبقت تركيا هذا التصعيد بتصريحات قوية ضد النفوذ الإيراني في سوريا. فقد صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل أيام بأن “السياسة الإيرانية القائمة على دعم الفصائل المسلحة تمثل تهديدًا يجب مواجهته”، ملمحًا إلى أن أنقرة قد ترد على هذا التدخل بدعم مجموعات معارضة داخل إيران نفسها. وتشير هذه التصريحات إلى إدراك الاستخبارات التركية المسبق لهذا التحرك، وهو ما يسلط الضوء على التنافس الإقليمي المتزايد بين أنقرة وطهران على النفوذ في سوريا.
“المجلس العسكري لتحرير سوريا”: تحالف جديد ضد السلطة
في سياق متصل، أعلن العميد غياث دلا، أحد الضباط البارزين في نظام الأسد السابق، تشكيل “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، وهو تحالف يضم ضباطًا من النظام السابق وآخرين معارضين، بهدف إسقاط السلطة الحالية. وتشير تقارير إلى أن هذا المجلس يحظى بدعم إقليمي ودولي، بما في ذلك جهات إسرائيلية، في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا ضد الحكومة السورية.
الانعكاسات الداخلية: مخاوف من تصاعد الفوضى
ترافق هذا التصعيد مع توترات أمنية متزايدة في دمشق وحمص وحماة، حيث شهدت بعض الأحياء إطلاق نار وتحركات أمنية مكثفة لمنع اندلاع اضطرابات جديدة. كما نظمت الحكومة مسيرات دعم للقوات الأمنية في بعض المدن، في محاولة لاحتواء القلق الشعبي المتزايد.
صراع النفوذ: بين الطائفية والسياسة
يمثل ما يجري في الساحل السوري حلقة جديدة من الصراع بين القوى الإقليمية، حيث يبدو أن إيران تسعى إلى استعادة نفوذها المفقود في سوريا بعد سقوط الأسد، في حين تعمل تركيا على منع أي تمدد إيراني جديد قد يهدد مصالحها. وفي ظل هذا التنافس، يبقى المشهد السوري مفتوحًا على مزيد من التعقيدات، مع احتمالات تصاعد العنف أو التدخلات الخارجية بشكل أوسع.

