في خطوة تعكس استراتيجية سياسية جديدة، أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشكيل القيادة المركزية لحزب العدالة والتنمية (AKP)، مستقطبًا شخصيات برلمانية كانت سابقًا جزءًا من صفوف المعارضة، ومن بينهم أستاذة القانون الدستوري البارزة سراب يازجي أوزبودون.
مؤتمر الحزب: تعزيز الهيمنة وسط تراجع الدعم الشعبي
شهدت أنقرة، يوم الأحد، انعقاد المؤتمر الثامن لحزب العدالة والتنمية، بحضور عشرات الآلاف من المؤيدين، حيث أُعيد انتخاب أردوغان زعيمًا للحزب للمرة التاسعة منذ تأسيسه عام 2001. ويمثل هذا التجديد محاولة لترسيخ قبضة الحزب على المشهد السياسي، خاصة بعد التراجع الملحوظ في شعبيته، كما أظهرت الانتخابات المحلية في مارس الماضي التي أسفرت عن أسوأ هزيمة انتخابية للحزب منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.
خلال المؤتمر، تم انتخاب 39 عضوًا جديدًا ضمن اللجنة التنفيذية المركزية للحزب (MYK) التي تضم 75 عضوًا، من بينهم سبعة نواب انتُخبوا في مايو 2023 تحت راية أحزاب معارضة، قبل أن ينضموا لاحقًا إلى العدالة والتنمية.
انشقاقات في صفوف المعارضة لصالح العدالة والتنمية
من أبرز المنضمين حديثًا، النائبة سراب يازجي أوزبودون، التي أعلنت استقالتها من “حزب المستقبل” الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق والمنشق عن العدالة والتنمية، أحمد داود أوغلو، قبل يوم واحد فقط من انعقاد المؤتمر. وقد أثارت خطوتها جدلًا واسعًا، إذ كانت في السابق من أشد المنتقدين لسياسات أردوغان.
وكانت أوزبودون قد شاركت عام 2007، مع زوجها الراحل البروفسور أرغون أوزبودون، في إعداد مسودة دستور مدني جديد لتركيا بناءً على طلب من حزب العدالة والتنمية، إلا أن الحزب تخلى لاحقًا عن المشروع.
إلى جانب أوزبودون، شهد المؤتمر انضمام نائبين سابقين من حزب “الخير” المعارض، وهما سليم أنصار أوغلو وأونال كارامان، بعد استقالتهما من الحزب، حيث دعاهم أردوغان إلى المنصة ووضع شارات الحزب على صدورهم بنفسه، في خطوة رمزية تهدف إلى تعزيز صورة الحزب كقوة سياسية جامعة.
وبانضمام هؤلاء النواب الجدد، ارتفع عدد مقاعد حزب العدالة والتنمية في البرلمان من 269 إلى 272، في وقت تعاني فيه أحزاب المعارضة الصغيرة، مثل حزب الخير وحزب المستقبل وحزب الرفاه الجديد (YRP)، من نزيف برلماني لصالح الحزب الحاكم.
استقطاب شخصيات مؤثرة: مسعود أوزيل يدخل السياسة
لم يقتصر التعديل القيادي على السياسيين، بل شمل أيضًا شخصيات رياضية بارزة، حيث تم انتخاب لاعب كرة القدم السابق في المنتخب الألماني، مسعود أوزيل، عضوًا في اللجنة التنفيذية المركزية للحزب. أوزيل، الذي اعتزل اللعب في 2023، كان من أشد الداعمين لأردوغان، حتى أنه اختاره ليكون إشبينه في حفل زفافه عام 2019.
علاقة أوزيل بأردوغان أثارت جدلًا واسعًا في ألمانيا، خاصة بعد نشر صورة جمعتهما مع زميله السابق إلكاي غوندوغان، مما أدى إلى انتقادات شديدة من الحكومة الألمانية التي اتهمت أردوغان بالتسلط. وفي أعقاب ذلك، أعلن أوزيل انسحابه من المنتخب الألماني، متهمًا الاتحاد الألماني لكرة القدم بالعنصرية.
إعادة الهيكلة وسط تصعيد ضد المعارضة
يأتي هذا التغيير في هياكل العدالة والتنمية في وقت تشهد فيه تركيا تكثيفًا للقمع ضد المعارضين، إذ تستهدف الحكومة شخصيات بارزة مثل رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، بالإضافة إلى صحفيين وأكاديميين وحتى بعض الشخصيات العامة غير السياسية.
ويُنظر إلى إمام أوغلو، الذي بدأ ولايته الثانية في رئاسة بلدية إسطنبول، باعتباره المنافس الأقوى لأردوغان في حال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، مما يجعله هدفًا رئيسيًا للضغوط الحكومية.
رسالة التعديلات: تقوية الحزب رغم التراجع الشعبي
تعكس هذه التعديلات محاولة من أردوغان لتعزيز سيطرة العدالة والتنمية على المشهد السياسي، مستفيدًا من تفكك المعارضة واستقطاب شخصيات مؤثرة، رغم تراجع شعبيته في الشارع. ويبدو أن الحزب يسعى إلى إعادة بناء صورته كمظلة سياسية واسعة تضم مختلف الأطياف، في خطوة تهدف إلى مواجهة أي تحديات مستقبلية في الانتخابات القادمة.

