قال الكاتب والمحلل السياسي التركي عمر مراد إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستخدم القضاء كأداة لإقصاء خصومه السياسيين المحتملين، مثل أكرم إمام أوغلو، لضمان عدم خوض انتخابات قد يخسرها، وذلك في مقال نشر في موقع “تركيش مينوت” الناطق باللغة الإنجليزية.
عمر مراد، وهو محلل سياسي ودبلوماسي تركي سابق يقيم حاليًا في ألمانيا، لفت في مقاله إلى أن أردوغان، بعد فشل استراتيجية 2023، يسعى الآن للتأثير على قيادة حزب الشعب الجمهوري، لضمان ترشيح منافس ضعيف في 2028؛ إذ يستخدم تحقيقات قانونية مشبوهة كوسيلة ضغط ضد المعارضة، بهدف التحكم في نتائج الانتخابات مسبقًا، متجنبًا أي مواجهة حقيقية مع منافسين أقوياء.
عقد الكاتب مقارنة بين ماضي تركيا وحاضرها قائلا: “في تركيا الحديثة، حيث أصبح القضاء أداة رئيسية في يد السلطة التنفيذية، تزداد المخاوف بشأن استقلالية القضاء وفصل السلطات. فبعد أن كان الجيش في تركيا العلمانية القديمة يُصدر مذكرات تحذيرية للحكومات لضبط الأحزاب السياسية، يبدو أن المحاكم في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان تلعب دورًا مشابهًا، إذ تُستخدم لإقصاء الشخصيات السياسية المعارضة التي قد تشكل تهديدًا انتخابيًا له”، على حد قوله.
إقصاء المنافسين عبر القضاء
واصل الكاتب: “في السنوات الأخيرة، أصبحت قرارات المحاكم وسيلة فعالة لإبعاد قادة الأحزاب المعارضة الذين قد يُضعفون موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، اعتقال زعماء سياسيين مثل صلاح الدين دميرطاش، الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، وأوميت أوزداغ، زعيم حزب النصر اليميني المتطرف، بتهم اعتُبرت ضعيفة”.
لكن الأمر لا يقتصر على الاعتقالات، بل يشمل أيضًا توجيه اتهامات قانونية لمنع شخصيات مثل أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، من المنافسة في الانتخابات. فإمام أوغلو، الذي كان يُعتبر أبرز منافس محتمل لأردوغان في انتخابات 2023، تعرض في 14 ديسمبر 2022، أي قبل خمسة أشهر فقط من الانتخابات، لحكم قضائي يمنعه من الترشح بحجة إهانته مسؤولين حكوميين بعد وصفه للجهات التي ألغت انتخابات إسطنبول 2019 بـ”الأغبياء”. ورغم إعادة الانتخابات في يونيو 2019، التي انتهت بفوز إمام أوغلو بفارق أكبر، إلا أن الحكم القضائي أدى فعليًا إلى إقصائه من السباق الرئاسي عام 2023، وفقا للكاتب.
الانتخابات المحلية الأخيرة وتأثيرها
وذكر الكاتب أنه رغم العراقيل، فاز إمام أوغلو مرة أخرى في الانتخابات البلدية لعام 2024، متجاوزًا جهود أردوغان وحزبه، الذين سخّروا جميع إمكانيات الدولة لدعم مرشحهم في إسطنبول، مما عزز مكانته كأحد المرشحين البارزين المحتملين في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
إلا أن أردوغان، وفقًا لعمر مراد، لا يبدو مستعدًا لمواجهة إمام أوغلو في انتخابات نزيهة، ويبدو أنه بدأ بالفعل في اتخاذ خطوات لإقصائه. فقد شهدت إسطنبول مؤخرًا اعتقال رئيسي بلديتي بشيكتاش وإسنيورت التابعين لحزب الشعب الجمهوري بتهم وُصفت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية. وعقب هذه الاعتقالات، صرح أردوغان قائلاً: “ما زال في الجعبة المزيد”، وهو تصريح اعتُبر تهديدًا ضمنيًا باتخاذ إجراءات قانونية أخرى، خاصة ضد إمام أوغلو.
وفي رد فعل سريع، صرّح إمام أوغلو بأن المدعي العام في إسطنبول، أكين غورليك، الذي يقود التحقيقات، يعمل لصالح أردوغان، وأن الهدف الحقيقي لهذه التحقيقات هو استهدافه شخصيًا. ونتيجة لذلك، فتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقًا فوريًا ضده، وأعدت لائحة اتهام خلال خمسة أيام فقط، بينما لم يتم حتى الآن إصدار لائحة اتهام بحق رئيس بلدية إسنيورت المعتقل منذ ثلاثة أشهر. وُجّهت إلى إمام أوغلو تهم “إهانة موظف حكومي” و”استهداف شخصيات تشارك في مكافحة الإرهاب”، وهي تهم قد تؤدي إلى سجنه لأكثر من سبع سنوات ومنعه من الترشح للانتخابات.
محاولات أردوغان للتأثير على اختيار المعارضة لمرشحها
في الانتخابات السابقة، نجح أردوغان في التأثير على اختيار المعارضة لمرشحها. فبعد إقصاء إمام أوغلو قضائيًا من الترشح في 2023، تمكن كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري آنذاك، من فرض نفسه كمرشح المعارضة رغم أن استطلاعات الرأي أظهرت أن فرصه ضد أردوغان كانت ضعيفة. في ذلك الوقت، كان أردوغان يفضل ترشح كليجدار أوغلو نظرًا لضعف حظوظه الانتخابية، بحسب رأي الكاتب.
لكن بعد خسارته الانتخابات، غادر كليجدار أوغلو زعامة الحزب ليحل محله أوزغور أوزال، الذي أكد مرارًا أنه لن يترشح للرئاسة. هذا الموقف أضعف قدرة أردوغان على التأثير في اختيار مرشح المعارضة، إذ أن القاعدة الشعبية للحزب غاضبة من استبعاد مرشحين أقوياء مثل إمام أوغلو ومنصور يافاش في الانتخابات الماضية.
تهديد مبطن لحزب الشعب الجمهوري
تابع الكاتب: “من الواضح أن أردوغان يحاول الضغط على قيادة حزب الشعب الجمهوري الحالية لضمان عدم ترشيح منافسين أقوياء له مستقبلاً. ففي اجتماع حزبي عقده في 1 فبراير، زعم أن انتخاب أوزغور أوزال لرئاسة الحزب جاء نتيجة “مؤتمر حزبي مثير للجدل”، دون تقديم أي أدلة على ذلك. هذا التصريح فُسِّر على أنه تهديد ضمني، خاصة بعد أن أعلنت النيابة العامة في أنقرة يوم الاثنين فتح تحقيق بشأن مزاعم “شراء الأصوات” خلال المؤتمر الحزبي لعام 2023″.
وحسب عمر مراد، لا يُستبعد أن تصدر محكمة موالية لأردوغان حكمًا بعدم شرعية مؤتمر حزب الشعب الجمهوري، مما قد يؤدي إلى إزاحة أوزال وإعادة كليجدار أوغلو أو فرض مرشح ضعيف آخر يسهل هزيمته. مثل هذا التدخل القضائي ليس سابقة، فقد سبق أن تم إلغاء المؤتمر الاستثنائي لحزب الحركة القومية عام 2016 لمنع الإطاحة بزعيمه دولت بهجلي، أحد حلفاء أردوغان، مما أجبر ميرال أكشنار وأنصارها على تأسيس حزب جديد، وهو حزب “الخير”.
أردوغان يسعى لانتخابات محسومة سلفًا
يرى عمر مراد أن أردوغان لا يريد انتخابات ديمقراطية غير مضمونة النتائج، بل يسعى لتشكيل المشهد السياسي بحيث يواجه خصومًا ضعفاء لا يمثلون تهديدًا حقيقيًا له. وإذا تمكن من فرض قيادة لحزب الشعب الجمهوري تمنع ترشيح إمام أوغلو أو يافاش، فسيضمن انتخابات سهلة يمكنه الفوز بها دون الحاجة إلى التلاعب المباشر، بحسب رأيه.
واختتم الكاتب بالقول: “في النهاية، يبدو أن أردوغان لا يسمح بخوض انتخابات قد يخسرها، وهو الآن يضع الأسس لضمان استمرار سلطته عبر القضاء والسيطرة على المعادلة السياسية في تركيا”.

