تكشفت معالم ترتيبات أمنية واستخباراتية ثلاثية تضم أنقرة وبغداد وأربيل، تهدف إلى إلقاء نحو 4 آلاف و200 عنصر من حزب العمال الكردستاني سلاحهم وإخلاء 18 موقعاً في إقليم كردستان شمالي العراق خلال الشهر الجاري.
تأتي هذه التطورات الميدانية في إطار مسار أمني وسياسي متدرج يهدف إلى إنهاء النزاع المسلح الذي استمر لأربعة عقود، ونقل الملف الكردي إلى أطر الترتيبات الميدانية والقانونية الشاملة.
اجتماعات أربيل وخارطة انتشار المرحلة الأولى
وفقاً لمعلومات استخباراتية وميدانية متقاطعة، تجري اجتماعات يومية مكثفة في مدينة أربيل بين فريق أمني مشترك يضم جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MİT)، وجهاز الأمن الوطني العراقي، ومجلس أمن إقليم كردستان. وتهدف هذه اللقاءات إلى وضع جدول زمني ملموس لعملية تفكيك البنية العسكرية للحزب وإخلاء مقراته.
وتشمل المرحلة الأولى من خطة إلقاء السلاح والانسحاب تسليم المواقع والمعسكرات والمستوطنات والكهوف المنتشرة في عشر مناطق رئيسية هي:
- العمادية (Amedi)، وكاني ماسي (Kani Masi)، وزاخو (Zakho).
- أفاشين (Avashin)، وسيد صادق (Said Sadiq)، ورانية (Ranya).
- دوكان (Dukan)، وكويا (Koya)، وجبل كورك (Mount Korek)، وسيدكان (Sidakan).
وفي المقابل، استُثنيت المواقع المنتشرة على جبال قنديل — حيث تتمركز القيادة المركزية للحزب — من نطاق المرحلة الأولى. ومن المتوقع أن تبدأ عملية تسليم الأسلحة خلال الأيام القليلة القادمة، على أن تستغرق هذه المرحلة نحو شهر كامل، بحسب ما صرح به السياسي الكردي المقرب من الحزب، جمعة محمد.
الرقابة الميدانية والتباين حول جهة تسلّم السلاح
على الصعيد الميداني، تخضع 72 نقطة ومعسكراً ومأوى تابعاً للحزب بالقرب من الحدود التركية لمراقبة دقيقة من فرق أمنية مختصة. ومن المقرر أن تتولى فرق جهاز الاستخبارات التركي مسح وتفتيش المواقع المخلاة للتحقق من خلوها التام من عناصر الحزب والأقسام والمعدات العسكرية والذخائر والمتفجرات.
وعلى الأرض، يتوزع الانتشار الميداني لحماية وإدارة المناطق المخلاة بين قوات حرس الحدود العراقية وحدات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان، بالتزامن مع عمليات التحقق الميداني التي تجريها الاستخبارات التركية.
ورغم الاتفاق على تحديد مراكز التسليم في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية (من بينها خمس نقاط رئيسية جرى اعتمادها في محيط أربيل والسليمانية)، إلا أن الأطراف المشاركة لم تصل بعد إلى صيغة نهائية بشأن الجهة التي ستستلم الأسلحة المقبوضة:
موقف الاتحاد الوطني الكردستاني: أوضح القيادي في الاتحاد الوطني، غياث سورجي، أن الحكومة الاتحادية في بغداد هي الجهة التي ينبغي أن تتسلم الأسلحة باعتبار أن العملية تجري على أراضٍ عراقية. وأشار إلى أن مشاركة الاتحاد الوطني تأتي بالنظر إلى وقوع بعض مواقع الحزب ضمن مناطق نفوذه وإدارته.
موقف القيادة العسكرية العراقية: أكد المتحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، صباح النعمان، إنشاء آلية أمنية مشتركة بين بغداد وأربيل وأنقرة لتأمين المناطق المخلاة نشر قوات حرس الحدود والبيشمركة فيها. ومع ذلك، لم يحدد النعمان بصفة رسمية دقة رقم 4,200 عنصر أو القائمة المحددة للـ 18 موقعاً، في حين أوردت تقديرات صحفية متزامنة أن العدد يبلغ نحو 3,800 عنصر يتوزعون على 18 معسكراً.
البناء التشريعي والمظلة القانونية التركية
تستند هذه الترتيبات الميدانية إلى خطط تشريعية وإدارية اعتمدتها السلطات التركية لإدارة مرحلة ما بعد السلاح والدمج الاجتماعي، فقد دخل “قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي“ حيز التنفيذ القانوني في 18 أغسطس/آب، وانبثق عن القانون تأسيس “مجلس تنسيق التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي“، كما شكل المجلس في 24 أغسطس/آب أربع لجان فرعية متخصصة لتولي إدارة الإجراءات القانونية، والاندماج الاجتماعي، وعمليات تسليم الأسلحة، والفحص الميداني للمواقع.
المسار الزمني والجذور التاريخية للصراع
يأتي اتفاق نزع السلاح تتويجاً لمسار تفاوضي وسياسي انطلق في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وشهد محطات مفصلية أبرزها:
- دعوة أوجلان (فبراير/شباط 2025): وجه زعيم الحزب المعتقل عبدالله أوجلان نداءً حث فيه الحزب على إلقاء السلاح وحل تشكيلاته. وفي تطور سياقي لاحق، شدد قيادي بارز في الحزب على ضرورة توضيح أنقرة للوضع القانوني لأوجلان لدفع جهود السلام.
- إعلان حلّ الحزب (مايو/أيار 2025): أعلن حزب العمال الكردستاني رسمياً إنهاء نضاله المسلح والتخلي عن العمل العسكري ضد الدولة التركية.
- إتلاف السلاح والانسحاب (يوليو وأكتوبر 2025): شهدت منطقة قريبة من السليمانية قيام مجموعة مصغرة بإحراق أسلحتها في يوليو/تموز 2025، تلاها حفل في جبال قنديل في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لمقاتلين انسحبوا بأسلحتهم من داخل الأراضي التركية نحو شمال العراق، مطالبين أنقرة باتخاذ خطوات قانونية لتثبيت دعائم السلام.
- خلفية الصراع: يهدف هذا المسار إلى إنهاء نزاع مسلح بدأ عام 1984، وأسفر عن مقتل نحو 40 ألف شخص، حيث يُصنف الحزب كمنظمة إرهابية من قبل تركيا وحلفائها الغربيين.
التوازنات الإقليمية والتحديات الميدانية
تظهر الترتيبات الراهنة تحولاً استراتيجياً في إدارة الملف الأمني بين أنقرة وبغداد وأربيل؛ إذ يعكس إشراك بغداد وقوات حرس الحدود العراقية رغبة تركية في إضفاء شرعية سيادية عراقية على عمليات إخلاء الشريط الحدودي وتأمينه. وفي المقابل، يكشف التباين القائم حول الجهة المستلمة للسلاح عن حساسية توزيع النفوذ والتوازنات الدقيقة بين القوى الكردية (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني) والحكومة الاتحادية في بغداد. كما يمثل استثناء جبال قنديل من المرحلة الأولى مؤشراً على تأجيل البت في المعقل الأكثر تعقيداً وتحصيناً إلى مراحل لاحقة ترتبط بمدى نجاح اختبار الثقة الميداني في المواقع المشمولة حالياً.

