في وقت تتشابك فيه خيوط الأزمات الدولية من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، يبرز الحضور الصيني كلاعب يحاول رسم ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب. ومن عاصمة قرغيزستان، بيشكيك، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ رسائل دبلوماسية مكثفة تعكس رغبة بلاده في تعزيز دورها الإقليمي والدولي في إدارة الملفات الساخنة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا.
رؤية صينية لإدارة الأزمات: ما وراء خطابات قمة شنغهاي
خلال أعمال قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافتها بيشكيك، عبّر الرئيس الصيني بوضوح عن استعداد بلاده لتوسيع قنوات التنسيق والتفاعل مع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة. ولم يقتصر الطرح الصيني على الملف الأوكراني الساخن فحسب، بل امتد ليشمل بؤر توتر مزمنة أخرى كأفغانستان ومنطقة الشرق الأوسط.
ويرتكز المنهج الذي يقترحه شي جين بينغ على تبني مقاربات شاملة تسعى لدفع الحلول السياسية للأزمات. ولتحقيق هذه الغاية، دعا الزعيم الصيني إلى ضرورة تطوير الآليات التنفيذية لمنظمة شنغهاي للتعاون، ورفع كفاءة اتخاذ القرار وتنفيذه، بالإضافة إلى توسيع شبكة شراكات المنظمة لتعزيز الحوكمة الإقليمية والعالمية.
تحت مجهر الغرب: اتهامات بالدعم والتكسب الاستراتيجي
وعلى النقيض من النبرة الدبلوماسية الهادئة التي تبديها بكين، تنظر العواصم الأوروبية بعين الريبة إلى التحركات الصينية. فقد كشفت تقارير غربية، نقلاً عن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، عن قناعة متزايدة بأن الصين قد رفعت من وتيرة دعمها لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، مرجحة تعميق هذا التعاون بين موسكو وبكين.
ويرى الجانب الأوروبي أن الدعم الصيني للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات أكثر حزماً وثباتاً، مما يسهم بشكل مباشر في استمرار العمليات العسكرية. وتشير التحليلات الأوروبية إلى أن بكين قد تكون حققت مكاسب استراتيجية غير مباشرة من استمرار هذا النزاع؛ حيث أدى انشغال أوروبا بالملف الأوكراني إلى خلق مساحة مناورة استراتيجية للصين، في حين تسببت الأزمة في تعقيد العلاقات والروابط بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
خط الدفاع الدبلوماسي: محايدون ولسنا أطرافاً في النزاع
في مواجهة هذه الانتقادات، تتمسك الصين بروايتها الرسمية التي تقدمها كـ “وسيط سلام محايد” في الأزمة. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، في تصريحات سابقة أن موقف بكين من القضية الأوكرانية يتميز بالاتساق والوضوح والشفافية الكاملة. وشدد رئيس الدبلوماسية الصينية على أن بلاده لم تكن يوماً طرفاً في هذا الصراع، وبالتالي لا يمكن تحميلها المسؤولية عنه، مع تأكيده في الوقت ذاته أن بكين لن تقف مكتوفة الأيدي أو غير مبالية تجاه تطورات الأحداث.
واتساقاً مع هذا التوجه، تواصل الدبلوماسية الصينية الضغط باتجاه مسار تفاوضي؛ إذ حث نائب الممثل الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، سون لي، كلاً من موسكو وكييف على ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات لإنهاء الأعمال القتالية في أقرب وقت ممكن. وشدد الدبلوماسي الصيني على أن إحراز تقدم يتطلب توفر إرادة سياسية حقيقية من الطرفين، شريطة معالجة الأسباب الجذريّة للأزمة بما يتماشى مع المبادئ الراسخة في ميثاق الأمم المتحدة.

