أوقفت السلطات الأمنية التركية عشرة أشخاص في العاصمة أنقرة، في إطار تحقيقات قضائية تتمحور حول استخدام تطبيق المراسلة المشفر العالمي “سيغنال” للتواصل بين أفراد يُشتبه في صلتهم بحركة الخدمة.
وتأتي هذه العملية بالتنسيق بين جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MİT) وشعبة مكافحة الإرهاب التابعة لمديرية أمن أنقرة، بناءً على مذكرات توقيف أصدرها الادعاء العام التركي بحق ثلاثة عشر شخصاً، حيث لا تزال القوات الأمنية تبحث عن الثلاثة الآخرين.
غموض قضائي حول اختراق البيانات والتهم الموجهة
أفاد مكتب المدعي العام في أنقرة بأن المشتبه بهم تم تحديد هوياتهم كجزء من جهود تهدف إلى كشف أنشطة الحركة التي تُجرى عبر تطبيق “سيغنال”، واصفاً إياهم بأنهم يمثلون “البنية التكنولوجية الحالية للمعلومات“ التابعة للحركة.
ومع ذلك، يكتنف الغموض الجوانب الفنية والقانونية لهذه القضية؛ إذ تشير الصياغة الواردة في بيان الادعاء العام إلى إمكانية حصول المحققين على اتصالات أو معلومات ساعدت في تحديد هوية الأشخاص المستهدفين، دون توضيح ما إذا كان الأمن قد تمكن بالفعل من الوصول إلى محتوى الرسائل نفسها، أو الكيفية التي استُخدمت للحصول على تلك المواد. كما لم يكشف البيان الرسمي عن طبيعة الرسائل المنسوبة للمشتبه بهم، أو السلوك الجرمي المحدد لكل فرد، أو البنود القانونية والجنائية التي اعتمدت عليها مذكرات التوقيف.
جدل التشفير والرواية الرسمية البديلة
في الوقت الذي وصفت فيه وكالة الأنباء الرسمية (الأناضول) تطبيق “سيغنال” بأنه “برنامج الرسائل المشفر الخاص بالمنظمة“، وذهبت وسائل إعلام موالية للحكومة التركية إلى حد الزعم بـ “فك تشفير شبكة سيغنال التابعة للحركة”، فإن بيان الادعاء العام الرسمي التزم الصمت حيال هذه الادعاءات ولم يشر مطلقاً إلى نجاح المحققين في كسر التشفير الخاص بالتطبيق.
ويُصنف “سيغنال” كمنصة مراسلة عامة تديرها منظمة أمريكية مستقلة غير ربحية، ويعتمد عليها ملايين المستخدمين حول العالم، بمن فيهم الصحفيون، والنشطاء، والمسؤولون الحكوميون، والمواطنون العاديون. ويستخدم التطبيق تقنية التشفير التام بين الطرفين (End-to-End Encryption)، المصممة خصيصاً لمنع الجهات الخارجية من اعتراض البيانات أثناء انتقالها وقراءة محتواها.
ومع استحالة كسر التشفير تقنياً أثناء النقل، تشير القواعد التقنية إلى أن المحققين بإمكانهم الحصول على الرسائل بطرق بديلة مثل مصادرة الهواتف وفك قفلها، أو فحص أجهزة الكمبيوتر المرتبطة بالحساب، أو عبر الوصول إلى جهاز طرف آخر مشارك في المحادثة. ويظل استخدام تطبيق “سيغنال” غير محظور قانوناً في تركيا، كما لم يثبت بيان الادعاء العام ما إذا كان مجرد تثبيت التطبيق أو استخدامه هو السبب المباشر وراء صدور أوامر الاعتقال.
سوابق الملاحقة الإلكترونية وإدانات دولية لتركيا
لا تعد هذه القضية سابقة فريدة في مسار الملاحقات الأمنية التركية المعتمدة على تطبيقات الهواتف الذكية؛ إذ تكشف السجلات القضائية عن محطات مماثلة:
- قضية عام 2021: استند الادعاء العام إلى قيام المواطن “متين جان يلماز” بتثبيت تطبيق “سيغنال” كدليل على صلاته بالحركة. ودفع هذا الإجراء يلماز إلى تقديم شكوى قانونية ضد الملياردير الأميركي إيلون ماسك، نظراً لتوصيته السابقة للجمهور باستخدام التطبيق، غير أن الادعاء العام رفض الشكوى مؤكداً أن استخدام تطبيق “سيغنال” في حد ذاته لا يشكل جريمة قانونية.
- قضية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: أصدر الادعاء العام في أنقرة مذكرات توقيف طالت تسعة عشر شخصاً، بعد زعم السلطات استعادة رسائل من تطبيق “سيغنال” مخزنة على أجهزة رقمية تابعة لشخص جرى توقيفه في وقت سابق.
- موقف القضاء الدولي: كانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد وجهت انتقادات حادة لتركيا وأدانتها قضائياً بسبب تعاملها مع تثبيت تطبيق مشفر آخر وهو “بايلوك” (ByLock)، باعتباره دليلاً قاطعاً وتلقائياً على العضوية في منظمة إرهابية، دون إجراء تقييم فردي دقيق للأدلة الموجهة ضد كل متهم على حدة.
الجذور التاريخية للصراع مع حركة الخدمة
تعود جذور الملاحقات المستمرة ضد حركة “الخدمة” (التي استلهمت فكرها من فتح الله كولن) إلى أواخر عام 2013، عندما بدأت تحقيقات واسعة في قضايا فساد طالت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأفراداً من عائلته، والدائرة المقربة منه. واعتبر أردوغان تلك التحقيقات بمثابة “مؤامرة” حيكت من قبل الحركة للإطاحة به.
وقد تطور الموقف الرسمي التركي تدريجياً لينتهي بتصنيف الحركة رسمياً كـ “منظمة إرهابية” في مايو/ أيار 2016. واكتسبت الحملة الأمنية زخماً أشد وطأة في أعقاب محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو/ تموز من العام نفسه، والتي اتهمت الحكومة الحركة بالتخطيط لها والإشراف عليها، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع، مؤكدة عدم صلتها بمحاولة الانقلاب أو بأي أنشطة إرهابية.

