وقعت تركيا رسمياً في واشنطن على “اتفاقيات أرتميس” التي تقودها الولايات المتحدة، لتصبح بذلك العضو الحادي والسبعين في هذا التحالف الدولي الهادف إلى استكشاف الفضاء الخارجي بطرق سلمية ومسؤولة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسارع فيه مساعي أنقرة لترسيخ حضورها العلمي والتكنولوجي في المدارات الفضائية ومشاريعها الطموحة للوصول إلى سطح القمر.
شراكة استراتيجية في مقر “ناسا“
جرت مراسم التوقيع في مقر وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، حيث وقع وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، محمد فاتح كاجر، ممثلاً لبلاده، بحضور مدير الوكالة، جاريد إيزاكمان، ورئيس وكالة الفضاء التركية، يوسف كيراتش، إلى جانب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الفضاء والبيئة، كونور توملينسون.
وأشار الوزير كاجر إلى أن هذا الانضمام يفتح فصلاً جديداً في تاريخ البرنامج الفضائي التركي، لافتاً إلى أن أنقرة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تأمين حضور دائم ومستدام في الفضاء الخارجي ودعم الاستخدامات السلمية له، معتبراً أن القرار يعكس التعاون المتنامي بين بلاده والولايات المتحدة في قطاع الفضاء.
ومن جانبه، رحب إيزاكمان بانضمام تركيا، مشيراً إلى توجيهات الرئيس دونالد ترامب للوكالة بتسريع العودة إلى القمر وتأسيس أول وجود بشري مستدام على جرم سماوي آخر. وأوضح أن الاتفاقيات تسعى لتعزيز هذه الجهود، داعياً الدول الموقعة للمساهمة بالمعدات التقنية، والأجهزة العلمية، والعروض التكنولوجية في مهمات “أرتميس” القادمة.
المهمة القمرية “AYAP-1” والتعاون السويدي
وفي إطار تطلعاتها القمرية، تخطط أنقرة لإرسال مركبتها الفضائية الأولى نحو القمر عام 2027 تحت اسم “AYAP-1”. وتعتمد هذه المركبة، التي يطورها معهد أبحاث تكنولوجيا الفضاء التابع لمجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي (TÜBİTAK UZAY)، على نظام دفع هجين مبتكر.
وتتلخص مهمة المركبة في الدوران حول القمر على ارتفاع يقارب مئة كيلومتر لمدة ثلاثة أشهر تقريباً لجمع البيانات العلمية من المدار القمري، قبل أن تنهي مهمتها بارتطام موجه ومسيطر عليه بسطح القمر. وتشهد هذه المهمة تعاوناً دولياً لافتاً، حيث يشارك معهد الفيزياء الفضائية السويدي بتقديم “تلسكوب الجسيمات المتعادلة القمرية” لدراسة التفاعلات بين الرياح الشمسية وسطح القمر.
من المدار الأرضي إلى السطح القمري
وتأتي هذه التطورات لتتوج مسيرة توسع متسارعة لبرنامج تركيا الفضائي؛ ففي يناير 2024، سطر العقيد في القوات الجوية التركية، ألبير غيزير أوجلو، اسماً لبلاده كأول رائد فضاء تركي بعد قضائه أسبوعين على متن محطة الفضاء الدولية ضمن مهمة “أكسيوم-3” (Ax-3)، حيث أجرى مجموعة من التجارب العلمية. تلا ذلك مهمة بحثية دون مدارية نفذها الرائد توفا جيهانغير أتاسيفير على متن المركبة “في إس إس يونيتي” التابعة لشركة فيرجن غالاكتيك.
وبحسب تصريحات غيزير أوجلو، تهدف تركيا إلى أن تصبح الدولة السادسة التي تنجح في الهبوط السلس على سطح القمر. ويسير هذا البرنامج عبر مرحلتين رئيسيتين: تبدأ الأولى بارتطام محكوم ومخطط له (عبر مهمة AYAP-1)، تليها في مرحلة لاحقة مهمة هبوط سلس كاملة.
قاعدة الصومال: ميزة جغرافية استراتيجية قرب خط الاستواء
ومن بين أبرز المشاريع الطموحة التي تدعم هذه التطلعات، يأتي مشروع إنشاء ميناء فضائي تركي في الصومال، والذي وصفه غيزير أوجلو بأنه سيمنح تركيا قدرة استراتيجية ومحورية بالغة الأهمية لتلبية احتياجاتها الخاصة ولدعم العمليات الفضائية العالمية.
وكانت أنقرة ومقديشو قد أعلنتا عن هذا المشروع المشترك لأول مرة خلال مؤتمر صحفي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في إسطنبول، حيث تم تخصيص قطعة أرض للمنشأة بموجب اتفاقية تعاون ثنائي. وأشار كاجر إلى أن اختيار الصومال جاء عقب دراسات جدوى مستفيضة أثبتت تفوقه الجغرافي كموقع مثالي.
وقد أنهت تركيا دراسات الجدوى والتصميم الخاصة بالمشروع في ديسمبر 2025؛ إذ يوفر موقع الميناء القريب من خط الاستواء ميزة حيوية في كفاءة عمليات الإطلاق بفضل الاستفادة من سرعة دوران الأرض، مما يمنح البعثات المدارية كفاءة اقتصادية وفنية عالية.
منبر أنطاليا الدولي المرتقب
وفي خطوة تكرس دورها الدبلوماسي المتنامي في قطاع الفضاء، تستعد مدينة أنطاليا التركية لاستضافة “المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية“ في أكتوبر المقبل، وهو حدث يُتوقع أن يشهد حضور عشرات الدول الموقعة على اتفاقيات أرتميس. وترى وكالة “ناسا” في هذا المؤتمر فرصة مواتية لتعزيز النقاشات الدولية حول مستقبل استكشاف الفضاء بأسلوب شفاف وسلمي.
ما هي اتفاقيات أرتميس؟
تأسست اتفاقيات أرتميس عام 2020 بمبادرة مشتركة من وكالة “ناسا” ووزارة الخارجية الأمريكية إلى جانب سبع دول مؤسسة، كإطار عمل غير ملزم قانوناً لتنظيم قطاع استكشاف الفضاء المدني. وتستند هذه المبادئ إلى “معاهدة الفضاء الخارجي” لعام 1967.
وتغطي الاتفاقيات مبادئ أساسية تشمل تعزيز الشفافية، وتبادل البيانات العلمية، وتقديم المساعدات الطارئة في الفضاء، وتسجيل الأجسام الفضائية، وتجنب التداخلات الضارة بالأنشطة الفضائية. كما تضع قواعد لاستغلال الموارد الفضائية في القمر والمريخ والأجرام السماوية الأخرى، وهو الإطار الذي تنخرط فيه تركيا اليوم لدمج برنامجها الوطني ضمن تحالف دولي واسع يمهد لمستقبل استكشاف الفضاء السحيق.

