تتجه واحدة من أكثر القضايا الجنائية والسياسية تعقيداً بين واشنطن وأنقرة نحو فصولها الختامية، حيث حدد القضاء الأمريكي موعداً لإصدار الحكم على تاجر الذهب التركي الإيراني، رضا ضراب، بالتزامن مع تحركات رسمية لإنهاء الملاحقة القضائية بحق “بنك خلق” التركي.
المنعطف القضائي الأخير وموعد النطق بالحكم
بعد مرور قرابة تسع سنوات على إقراره بالذنب، من المقرر أن يمثل رضا ضراب أمام المحكمة الاتحادية في مانهاتن يوم 14 يوليو المقبل لتلقي حكمه النهائي. ويأتي هذا التوقيت في سياق قانوني دقيق، إذ اعتاد القضاء الأمريكي إرجاء النطق بالأحكام على الشهود المتعاونين حتى تكتمل القضايا التي أدلوا بشهاداتهم فيها، وهو ما يشير بوضوح إلى أن ملف “بنك خلق” قد شارف على الإغلاق الفعلي.
تسوية تنهي الملاحقة القضائية لبنك خلق
تقدمت وزارة العدل الأمريكية بطلب رسمي إلى القاضي ريتشارد بيرمان في 11 يونيو الجاري لإسقاط التهم الموجهة إلى المصرف التركي المملوك للدولة. ويستند هذا الطلب إلى اتفاق جرى التوصل إليه في مارس الماضي، يضع حداً لنزاع قانوني طويل كان بمثابة حجر عثرة في العلاقات الثنائية بين البلدين. وبموجب هذه التسوية، لا يلتزم البنك بدفع غرامات مالية أو الاعتراف بارتكاب جرائم جنائية، لكنه يخضع لرقابة خارجية صارمة من قبل مؤسسات متخصصة مثل “إرنست أند يونغ” لضمان امتثاله لقوانين مكافحة غسيل الأموال ومنع أي معاملات يستفيد منها الجانب الإيراني.
خلفيات الأزمة: من الالتفاف على العقوبات إلى أروقة المحاكم
تعود جذور القضية إلى اتهامات وجهها الادعاء الأمريكي للبنك في عام 2019، تزعم تورطه في مخطط سري لتحويل نحو 20 مليار دولار من الأموال المقيدة، عبر تحويل عائدات النفط الإيراني إلى ذهب وسيولة نقدية. كما شملت المزاعم استخدام شحنات مواد غذائية وهمية كغطاء لتمرير تلك الأموال بعيداً عن أعين الرقابة الدولية. وفي هذا الصدد، كان رضا ضراب هو الشاهد الرئيسي الذي كشف عن تفاصيل هذه العمليات، مدعياً في شهادته دفع مبالغ تجاوزت 50 مليون دولار كـ “رشاوى” لوزير المالية التركي آنذاك لضمان استمرارية المخطط.
التداخل السياسي والظلال المحلية في تركيا
لم تكن قضية ضراب مجرد ملف قانوني في نيويورك، بل تقاطعت بشكل وثيق مع تحقيقات الفساد التي شهدتها تركيا في عام 2013 والتي طالت شخصيات مقربة من دوائر الحكم. وبينما اعتبرت الحكومة التركية تلك التحقيقات “انقلاباً قضائياً” وقامت بإلغائها، أعاد الادعاء الأمريكي إحياء الملف في مانهاتن، مما أثار غضب الرئيس رجب طيب أردوغان الذي وصف المحاكمة بأنها “غير قانونية وقبيحة”. وقد شهدت السنوات الماضية ضغوطاً ديبلوماسية مكثفة من أنقرة لحل الأزمة، حيث نُقل عن الرئيس أردوغان أن نظيره الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قد أكد له في مناسبات عدة أن مشكلة “بنك خلق” قد انتهت بالنسبة للإدارة الأمريكية.
تحليل سياقي لآثار التسوية
يمثل إغلاق هذا الملف تحولاً من الصدام القضائي إلى الامتثال المؤسسي، فبدلاً من العقوبات المالية المرهقة، تم التركيز على الرقابة التنظيمية لضمان عدم تكرار التجاوزات. هذا المخرج القانوني يعكس رغبة متبادلة في تبريد أحد أكثر الملفات سخونة وتوتراً، مما قد يفتح الباب لتعاون اقتصادي وأمني أوسع بين واشنطن وأنقرة في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، خاصة مع إثبات تقارير الامتثال الأخيرة التزام البنك بالمعايير المطلوبة.
خلاصة
يتجه القضاء الأمريكي لإصدار الحكم على رضا ضراب في يوليو المقبل بالتزامن مع تسوية تاريخية تقضي بإسقاط التهم عن “بنك خلق” التركي دون غرامات مالية. تنهي هذه الخطوة سنوات من التوتر الدبلوماسي والقانوني بين أنقرة وواشنطن، مع استبدال الملاحقة الجنائية بنظام رقابة صارم للامتثال المالي.

