بقلم: سيد أرسلان
تتجلى في المشهد السياسي التركي المعاصر تساؤلات عميقة حول ماهية السلطة الحقيقية، وهل هي نتاج إرادة شعبية تتبلور عبر صناديق الاقتراع، أم أنها رهينة لـ”القوى المسلحة” التي تفرض واقعها خلف الكواليس.
التصريحات الصادمة التي أدلى بها مؤخرا زعيم الوطن القومي الكمالي المتشدد دوغو برينجك لا تزال مدار نقاش واسع في تركيا، حيث تقدم رؤية عميقة لطبيعة الحكم في تركيا، إذ قال في تلك التصريحات: “لا يمكن لجناح أوزغور أوزيل وإمام أوغلو أن يصل إلى سدة الحكم، حيث لا يمتلك قوة مسلحة”.
جدلية السلاح والشرعية السياسية
بحسب تصريحات برينجك، وهو السياسي المثير للجدل في تركيا بمواقفه المتقلبة منذ ستينات القرن الماضي، ويقف حاليا إلى جانب أردوغان، فإن الديمقراطية ليست سوى واجهة شكلية، بينما تظل القوة المادية هي المحرك الفعلي للقرار السياسي. فالتلويح بأن مَنْ لا يملك سلاحاً لا يملك حقاً في السلطة، يُعد خطاباً “انقلابياً” صريحاً، يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن الدولة (العميقة) لن تسمح بانتقال السلطة إلا لمن تراه متوافقاً مع توجهاتها. وفي هذا السياق، يرى برينجك أن الأرقام الانتخابية يمكن التلاعب بها أو تجاوزها لتحقيق مشاريع “الدولة العميقة”، مما يحول العملية الديمقراطية برمتها إلى مجرد “أسطورة” لا وجود لها على أرض الواقع.
هندسة الوصول إلى السلطة
عند تحليل صعود حزب العدالة والتنمية، يظهر أن الوصول إلى السلطة في ٢٠٠٢ لم يكن مجرد نتاج حراك شعبي، بل كان بتوافق ضمني أو دعم من مراكز القوى المسلحة التي رأت في ذلك الوقت ضرورة المضي قدماً في مشروع “الشرق الأوسط الكبير”. فقد رأت الدولة العميقة، التي يمثل برينجك جناحها الأوراسي، ضرورة وجود قيادة ذات خلفية إسلامية محافظة لتمرير أجندات معينة لا يمكن لتيارات علمانية متصلبة تنفيذها.
دور المؤسسات السيادية والمعارضة الوظيفية
لم يكن بإمكان رجب طيب أردوغان تجاوز العقبات القانونية والدستورية، التي كانت تمنعه حتى من أن يكون مختاراً لحي، كما قيل في ذلك الوقت، لولا تدخل قوى كبرى أقنعت أجهزة الدولة (العميقة) بضرورة تعديل الدستور.
يبرز هنا دور زعيم حزب الشعب الجمهوري الأسبق دنيز بايكال كشخصية مثلت “رجل الدولة العميقة” داخل المعارضة، حيث ساهم في فتح الطريق أمام أردوغان عبر دعم التعديلات الدستورية. كما تبين مؤخرا أن زعيم الشعب الجمهوري السابق كمال كيليتشدار أوغلو سيطر على المعارضة وامتص الغضب الشعبي تجاه النظام عقدا كاملا، مما يشير إلى أن المعارضة والموالاة قد يعملان ضمن مشروع موحد ترسمه الدولة العميقة.
الأبعاد الإقليمية والتكلفة الإنسانية
إن الموافقة على مشاريع سياسية كبرى مثل “مشروع الشرق الأوسط الكبير” لم تكن بلا ثمن، بل كانت لها تبعات كارثية أدت إلى مقتل الملايين في العراق وليبيا وسوريا. وتتحمل القوى التي قبلت الانخراط في هذه المشاريع مسؤولية أخلاقية وتاريخية عظمى أمام الله وأمام الشعوب، إذ لا يمكن الادعاء بالجهل بنتائج هذه السياسات التي تسببت في دمار إقليمي شامل.
متحدثون باسم الدولة وأجنحة النفوذ
يُلاحظ أن بعض الشخصيات السياسية، مثل زعيم حزب الحركة القومية “اليميني” دولت بهجلي، الذي يمثل الجناح الأطلسي للدولة العميقة، ودوغو برينجك “الأوراسي”، يتحدثون بلسان الدولة أو أجنحة معينة داخلها. فما قد يُعتبر جرماً أو خيانة إذا نطق به مواطن عادي، يمر مرور الكرام عندما يصدر عن هؤلاء، لأنهم يمثلون “صوت النظام”. أبرز مثال على ذلك دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى الحديث في البرلمان التركي، وتلميع صورته كزعيم قومي كردي، حيث لو قام بها أي مواطن عادي آخر لواجه الاعتقال بتهمة “الإرهاب”، لكن لأن بهجلي هو الذي يقود هذا المشروع باسم الدولة العميقة فإنه يحظى بقبول من الحكومة والمعارضة على حد سواء، بل من معظم الأحزاب السياسية.
التوافق الأيديولوجي
رغم التباينات الظاهرية، تلتقي أجنحة الدولة العميقة عند نقاط جوهرية تتمثل في “العلمانية” و”القومية التركية” المتطرفة، وهي القواعد التي لا يُسمح بتجاوزها، مثل انضمام كل من بهجلي “الأطلسي” وبرينجك “الأوراسي” إلى تحالف الحزب الحاكم، بعد معارضة شرسة “ظاهرية” من الطرفين في العقد الأول من حكم أردوغان.
فخ الاستدراج
تصريحات برينجك التي تحث على امتلاك السلاح، الوسيلة الأوحد للوصول إلى السلطة، قد تهدف إلى استدراج القوى المعارضة نحو العنف، مما يمنح الدولة المبرر القانوني لقمعهم وتصنيفهم كمنظمات إرهابية، وبالتالي القضاء على أي حراك مدني حقيقي قابل.
خارطة الطريق للمستقبل
هذا الواقع التركي يدل على أن الرهان على الأحزاب السياسية في ظل نظام محكوم بقوة السلاح هو رهان خاسر. فمنذ عقود لم يستطع العمل الحزبي التقليدي إحداث تغيير جوهري في بنية النظام. لذا، فإن البديل الاستراتيجي يكمن في التركيز على كسب ثقة الشعب ونشر الوعي الوطني الحقيقي بعيداً عن ألاعيب السياسة الحزبية، والإدراك بأن القوة الحقيقية تنبع من قاعدة شعبية واعية ترفض الانجرار وراء وعود الديمقراطية الزائفة التي يتم التحكم في نتائجها من خلف الستار.

