يقدم الأكاديمي والمحلل السياسي التركي، البروفيسور محمد إيفه تشامان، قراءة نقدية معمقة للتحولات السياسية الأخيرة في تركيا، معتبراً أن ما جرى في أروقة القضاء يتجاوز كونه إجراءً قانونياً ليصبح عملية “هندسة سياسية” متكاملة الأركان تديرها السلطة الحاكمة لتشكيل معارضة على مقاسها.
الانقلاب القضائي وتكريس مبدأ “المعارضة المُدارة“
يرى تشامان أن القرار الصادر عن الدائرة 36 بمحكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة ببطلان مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، يمثل لحظة فارقة في تاريخ السياسة التركية، حيث تم عزل “أوزغور أوزل” وإعادة “كمال كليجدار أوغلو” بقرار قضائي. ويحلل الكاتب هذا المشهد بوصفه “تغييراً للقيادة بيد القضاء”، حيث اختار النظام استبدال شخصية قد تثير بعض القلاقل بشخصية يراها أكثر طواعية وأقل تهديداً لمصالحه، مما يجعل المحاكم مجرد أداة لتنفيذ إرادة السلطة التنفيذية.
فلسفة التماهي مع أيديولوجيا النظام
يؤكد البروفيسور تشامان في تحليله أن كلاً من كليجدار أوغلو وأوزل قد قبلا ممارسة السياسة تحت سقف “معارضة النظام” لا “معارضة ضد النظام”. ويوضح أن حزب الشعب الجمهوري، منذ أحداث 15 يوليو في 2016 تبنى الروايات الرسمية للسلطة حول الانقلاب الغامض وما يسمى “منظمة فتح الله كولن” دون تشكيك، مما جعل الحزب جزءاً من البناء الخطابي للنظام الحاكم بدلاً من أن يكون بديلاً له.
ازدواجية الخطاب في ملف المظالم الحقوقية
يسلط تشامان الضوء على تناقض جوهري في موقف الحزب من قضية المفصولين بموجب مراسيم القانون (KHK)، حيث يرى أن حصر الدفاع عمن حصلوا على براءات قضائية فقط هو “صك استسلام” للمنطق السلطوي. ويشير التحليل إلى أن الحزب يقع في فخ الازدواجية؛ فهو يصف المحاكم بأنها “محاكم أردوغان” عندما تستهدف قادته مثل أكرم إمام أوغلو، لكنه يعتبر قرارات نفس هذه المحاكم معياراً للشرعية والعدالة عندما يتعلق الأمر بضحايا المراسيم، متجاهلاً أن معظمهم لم يخضعوا أصلاً لمسارات قضائية عادية وعادلة.
استراتيجية الاستنزاف الداخلي وتفتيت المعارضة
من وجهة نظر تشامان، فإن أعظم مكاسب النظام من هذا التدخل القضائي هو إشعال فتيل الصراع الداخلي داخل أكبر أحزاب المعارضة. فقد أدى القرار إلى انقسام القواعد الحزبية بين ولاءين، مما يحول طاقة الحزب من مواجهة سياسات الحكومة إلى صراعات بينية على الشرعية والقيادة. ويخلص الكاتب إلى أن “تآكل المعارضة من الداخل” هو الضمانة الأكبر لاستمرار هيمنة السلطة وتجنب أي ضغط حقيقي عليها.
التحول البنيوي نحو النموذج الاستبدادي المطلق
في تحليل عميق لطبيعة النظام السياسي، يذهب تشامان إلى أن تركيا تجاوزت مرحلة “السلطوية التنافسية” لتصطف إلى جانب نماذج الحكم في روسيا وبيلاروسيا وأذربيجان. وفي هذا السياق تتحول الانتخابات إلى إجراءات شكلية تفتقر لفرص المنافسة الحقيقية، ويتم تحويل القضاء والإعلام والأجهزة الأمنية إلى أدوات طيعة في يد الرئيس أردوغان يستخدمها كعصا لضرب خصومه، كما يتم تصفير كافة المكتسبات الديمقراطية والليبرالية، لتعود الدولة إلى نمط “حكم الحزب الواحد” بصبغة سلطوية مطلقة.
مأزق الهوية ومستقبل الحزب التاريخي
يختتم البروفيسور تشامان رؤيته بالإشارة إلى أن المشكلة لا تكمن في هوية الزعيم، بل في “التبعية الهيكلية” للنماذج التي يفرضها النظام. ويرى أن حزب الشعب الجمهوري، الذي فشل في أن يصبح “ديمقراطياً”، بات الآن مهدداً بالفشل في أن يكون “حزباً مستقلاً” بحد ذاته، حيث تحول إلى واجهة تزينية لمعارضة صورية تخدم أهداف أردوغان والقوى المتحالفة معه، مما يضع الحزب العريق في موقف تراجيدي يفقده وظيفته السياسية التاريخية.
خلاصة
يرى البروفيسور تشامان أن التدخل القضائي في حزب الشعب الجمهوري هو “رصاصة الرحمة” على التعددية السياسية، حيث تم تحويل المعارضة عبر أدوات الدولة إلى جزء وظيفي من النظام الاستبدادي لضمان بقائه.

